في رثاء الصحافة

لم أدرك زمن البريد، ولم يكن في منزلنا صندوق تُلقى فيه الرسائل كل صباح. صحيح أن والدي كان يرسل ويستقبل بريدًا ورقيًا، لكن صندوقه لم يكن عند باب البيت، بل في مقر البريد السعودي بحي النزهة. اشتراكٌ يتيح له صندوقًا داخل المبنى، يمر عليه في ساعات الدوام ليأخذ ما وصل ويترك ما سيُرسل.

ما أدركته حقًا كان زمن ازدهار الصحف السعودية في التسعينات وبدايات الألفية؛ حين كانت عمارة جدي عبد الله رحمه الله تستقبل كل صباح حزمة من الجرائد التي اشترك فيها والدي وأعمامي: عكاظ، والمدينة، والحياة، والشرق الأوسط، ومعها ملاحقها الرياضية والثقافية. كانت الصحف تدخل العمارة قبل أن يستيقظ الجميع، ثم تبدأ رحلتها بين الشقق.

كنت أنا من يتولى نقلها، أصعد وأنزل عبر الدرج المكسو بالرخام الأبيض، أضم الجريدة إلى صدري، وأمسك بالدرابزين الخشبي العتيق، أطرق بابًا، أترك نسخة، وأستلم أخرى.

وفي آخر اليوم يحين دوري، وتبدأ غوايتي بالصحافة: بالمناشيتات، وبالتغطيات، وبالتقارير المطولة، وبالحوارات الجريئة، وبمقالات الرأي، وبفن الكاركاتير، وبالنقد، وبالمجالات الواسعة التي تغطيها الصحف من السياسة، للاقتصاد، لقضايا التنمية، للأدب، للفن، للتقنية.

في تلك الأعوام الذواهب، كان أستاذي في التحفيظ صحفيًا. صدق أو لا تصدق، فهذه جدة، وهذه عجائبها.

كان أستاذي يعمل معلمًا في مدرسة، وصحفيًا في جريدة المدينة، ويتطوع في الوقت نفسه لتعليمنا كتاب الله. كان رجلًا خجولًا، أديبًا، محبوبًا، تنبّه مبكرًا إلى ميلي للكتابة، فصار يشجّعني على المواصلة، ويكلّفني بكتابة نصوص يراها صالحة للنشر، ثم يرشّحها لمجلات وصحف كانت له صلة بمحرريها. وأذكر أنني نشرت فعلًا نصًا أو نصين، فضلًا عما كنت أكتبه في المجلات العائلية والمدرسية التي تولّيت تحريرها تحت إشرافه.

كان أستاذي يأخذني معه أحيانًا إلى مكتبه في صحيفة المدينة، حيث يعمل، وكان بالمكتب الصحفي المعروف عبد العزيز قاسم، وأظنه في تلك الأيام كان يرأس تحرير ملحق الرسالة الشهير بحواراته الساخنة. لم يكن وجودي يروق له كثيرًا؛ لصغر سني، ولكثرة أسئلتي، ولأن حضوري كان يفرض على أستاذي أن يقطع الكتابة بين الحين والآخر ليشرح لي تفصيلًا هنا أو إجراءً هناك.

وفي إحدى المرات، اصطحبني معه بعد حفل جماهيري، (خضت معه تجربة مجنونة لتجاوز مجموعة من الحواجز حتى يحصل على تصريح من راعي الحفل!) ليكتب تغطية صحافية متأخرة قبل طباعة عدد الغد، في ساعة متأخرة من الليل. عندها ضاق عبد العزيز قاسم ذرعًا، وقال منفعلاً: «ما قلت لك يا **** البزر دا لا يدخل المكتب مرة تانية؟ تقوم تجيبه آخر الليل؟!»، ولكني دخلت.

درّبني أستاذي على العمل الصحافي ثلاثة أشهر متواصلة، بعدما لمس تعلقي بالصحافة وميلي إلى الكتابة. ولا أبالغ إن قلت إن تلك الأشهر كانت من أجود ما تلقيته في حياتي من تعليم على الإطلاق، فالتعليم الحقيقي ملازمة ومعايشة، أما التعليم الذي يتم في الصفوف والقاعات، حتى مع الحضور الجسدي، فهو في جوهره تعليم عن بُعد، وأما ما يُسمّى اليوم تعليمًا عن بُعد عبر الزووم وأخواته، فشيء أقرب إلى تصفّح تيك توك؛ مرور سريع، بلا رسوخ، ولا أثر يُعوَّل عليه، لكن الملازمة موضوع آخر سأحدثكم عنه يومًا ما.

كان أستاذي يأخذ مراهقتي على محمل الجد، ويمنحني أغلى ما يمكن أن يمنحه معلم لتلميذه: وقته، وعلاقاته، وملاحظاته. حين أبدأ الحديث قبل تسميع ما حفظته من القرآن عن مقالة قرأتها ولم تعجبني في إحدى الصحف أو المجلات، كان يطلب مني تأجيل الكلام، ثم يأخذني بعد الحلقة، أو في وقت آخر، إلى مقهى كوستا في فرعه على الكورنيش. هناك كان يصغي فعلًا؛ يسمع انتقاداتي للمقالة، أو يطّلع على بعض كتاباتي، أو يعرض علي نصوصًا أعجبته، أو حوارات لفتت انتباهه، وأحيانًا يقدمني إلى صحافي آخر، وكأن الأمر طبيعي وبديهي.

أذكر مثلًا حين صدرت مجلة نون؛ مجلة صفراء، لكنها محافظة. أحببتها كثيرًا، فقد أحدثت حراكًا صحافيًا واسعًا، وقدّمت حوارات غير مألوفة مع دعاة ووعّاظ، وأنجزت تغطيات وتقارير عجيبة وغريبة، يغلب عليها طابع الإثارة. بعد صدورها بأشهر، حدّثته عن شعوري بابتذالٍ في معالجاتها الصحافية، فجلسنا كعادتنا في مقهى كوستا، فرشت أعداد المجلة على الطاولة، وناقشني في انطباعاتي بندّية كاملة.

لدي تجارب صحفية حلوة أيام الدراسة لا أريد أن أطيل النص بالحديث عنها الآن، ولكن بخصوص أستاذي، فقد انقطعت صلتي به قبل سنوات طويلة، وما ذكرني به إلا مقالة لعبده خال شاركها سفر عياد عن ورش الكتابة اليوم، وتواضع موهبة من يقدمها، وضعف مخرجاتها.

لدي رأي متطرف في ورش الكتابة لا أريد كتابته، لكني أتفق بالعموم مع رأي عبده خال .. لقد فقدنا الصحافة.

أستثني هنا من هذه الورش مبادرة انثيال، التي أطلقها فؤاد الفرحان مع الروائيين طاهر الزهراني وعلوان السهيمي، وركزت على النصوص الروائية فقط، لا كما تفعل ورش الكتابة حين تتحدث عن النصوص بإطلاق غريب ومريب، وانثيال ليست ورشة كتابة معتادة على كل حال.

 تستقبل المبادرة طلبات الانضمام من كتّاب يعملون على مشروعهم الروائي الأول، ويُشترط على المتقدم أن يكون قد أنجز جزءًا معتبرًا من الرواية، يثبت به موهبته .. لا أحلام هنا، ولا وعود مؤجلة.

بعد القبول، يعمل المشترك مع أحد الروائيين على تطوير النص وصقله، في مسار جاد لا يعرف المجاملة، قبل أن تُنشر الرواية فعلًا بالتعاون مع إحدى دور النشر. وخلال عامين فقط، أصدرت المبادرة عشر روايات كاملة، لا نصوصًا تجريبية ولا مخرجات رمزية، ولكنها توقفت للأسف.

وأتعجب من عدم تبنّي هذه المبادرة أو دعمها المؤسسي، في الوقت الذي تُضخ فيه الموارد في مبادرات أقل جدية، وغير منتجة، ولا يُنتظر منها أصلًا أن تُنتج شيئًا يُقرأ أو يُعوَّل عليه.

لكن بالعودة إلى الصحافة، فهي أفضل مدخل لأي كاتب لعدد من الأسباب:

الكتابة المسؤولة:

تعلّمه الكتابة المسؤولة، كتابة تعرف مصادرها، وتتحقق من معلوماتها، وتفهم السياق الذي تُكتب فيه. تعلّمه الوضوح دون ابتذال، والأسلوب الجاذب دون إفراط في الزخرفة.

البانورامية المعرفية:

من خلال العمل الصحافي، تتسع اهتمامات الكاتب تلقائيًا. لا يكتب في موضوع واحد، ولا يعيش داخل فقاعة ذائقة ضيقة، بل يُجبر على متابعة السياسة، والمجتمع، والثقافة، والاقتصاد، والأدب، والفن، والرياضة، وسواها. هذه البانورامية المعرفية تصنع كاتبًا واعيًا، يرى العلاقات بين الأشياء، وتتسع آفاقه، ولا يترفع عن مجال أو اهتمام، ولا يحرم نفسه من سماع رأي مخالف، أو التعرّف على تيار جديد.

تجربة أنماط الكتابة المختلفة:

تمنح الصحافة الكاتب فرصة نادرة لتجربة أنماط الكتابة المختلفة: الخبر، والتقرير، والتحقيق، والمقال، والحوار، بل والكتابة الأدبية بأشكالها المتنوعة. ومع كل نمط، يتعلم أسلوبًا جديدًا، وحدودًا مختلفة، ويكتشف ميوله الحقيقية.

الذوق البصري:

تجبرك الصحف على الاهتمام بالشكل مثلما تهتم بالمضمون؛ فقد تقضي الساعات وأنت تفكر في الصور المرفقة، وصورة الغلاف، وخط المانشيت، ومكان العنوان، وحجم الفقرة، وتوزيع الفراغات، وأسماء الصفحات، والعناوين الجانبية، والألوان، وغيرها. وعلى المستوى الشخصي، أنا موسوس في هذه الأمور؛ تأخرت في إطلاق هذه المدونة بسبب اختيار الاسم الذي يلائم التصنيفات التي أفكر فيها، والتي يمكن أن أفكر فيها لاحقًا، إضافة إلى نسق صور أغلفة التدوينات… وهذه من بقايا تدريبي الصحفي!

النشر اليومي والقراء الحقيقيون:

للصحف طبيعة لا تسمح بالمجاملة، فهي تعمل في فضاء النشر اليومي الحقيقي، حيث يصدر عدد جديد كل صباح، ويصل إلى قرّاء حقيقيين ينتظرونه ويحاسبونه. في هذا السياق، لا تملك الصحيفة رفاهية تمرير نص لإرضاء علاقة، أو نشر رأي لمجرد المجاملة؛ لأنها مطالبة دائمًا بأن توازن بين شبكة علاقاتها الواسعة، وبين مصداقيتها أمام قرّائها، وبين فخرها بكونها سلطة لها وزنها وهيبتها.

الصرامة، والموهبة، والاختبار اليومي:

هذا الضغط اليومي يجعل التحرير أكثر صرامة؛ فالنص إمّا أن يُنشر اليوم لأنه يستحق أن يُقرأ اليوم، أو يُؤجَّل أو يُستبعد دون مواربة. الكاتب يعرف أن ما يكتبه سيصل إلى الناس فعلًا، لا إلى دائرة مغلقة من الأصدقاء أو المتابعين، أو إلى مسؤول عن ورشة كتابة. وفي المقابل، إذا كان النص جيدًا، فإنه يُنشر، ويُقرأ، ويُناقَش، وقد يعود القرّاء في الغد لأنهم وثقوا بما قُدِّم لهم اليوم. ولهذا لا تمنح الصحافة فرصتها إلا لموهبة حقيقية، حتى وإن كانت في بداياتها الأولى؛ فالموهبة القابلة للصقل تجد من يتحملها ويدرّبها، أما انعدام الموهبة فلا وقت له، ولا مساحة تُهدر عليه في سباق يومي لا يرحم.

الاحتكاك المباشر بالعقول الحية:

مقرات الصحف فضاءات مكتظة بالبشر والأفكار. في يوم واحد قد تمر عليك وجوه لكتّاب، وأدباء، وساسة، وباحثين، وفنانين، وكلٌّ منهم يحمل عالمه معه. هذا الحضور الكثيف للنخب يدفعك لأن تسمع أكثر مما تتكلم، وتراقب كيف يفكّرون، وكيف يختلفون، وكيف يصوغ كل واحد منهم رأيه بلغته وأدواته. قد تُكلّف بإجراء حوار سريع مع أحدهم، أو تخرج بتغطية، أو تجد نفسك في نقاش طويل بعد انتهاء العمل. أحيانًا تنشأ صداقة عابرة، وأحيانًا زمالة ممتدة، وفي الحالتين هناك تعلّم لا يُخطَّط له ولا يُدرَّس. هذا الاحتكاك اليومي، غير المنهجي، هو من أثمن ما تمنحه الصحافة؛ لأنه يوسّع أفق الكاتب دون أن يشعر، ويضعه في تماس مباشر مع العقول التي تصنع الرأي العام، لا مع الأفكار المجرّدة عنها.

كنتُ أحدّث صديقي سليم عن كل ما فقدناه مع تراجع الصحافة، وعن أثر غيابها على تفاصيل كثيرة في عالم الكتابة لن تجدها في أي ورشة مهما كانت كبيرة ولها رعاية من جهات أكبر. قلت له إن فكرة «زمالة كتّاب» قد تكون محاولة مناسبة، أو تعويضًا جزئيًا على الأقل، لكني لا أدري إن كان بالإمكان اختراع فضاء يشبه الصحافة فعلًا.

فالصحافة لم تكن برنامجًا تدريبيًا، ولا مسارًا منظمًا بجدول واضح، بل حالة يومية غير مضمونة، فيها عفوية اللقاءات، وضغط المواعيد، وورطة النشر اليومي الحقيقي الذي لا يسمح بالتأجيل ولا بإعادة المحاولة الهادئة. فيها اختلاف أجيال الكتّاب، وتباين اهتماماتهم، واحتكاكهم القاسي أحيانًا، وفيها علاقات معقدة تضطر الصحيفة دائمًا إلى الموازنة بين المهني والشخصي، وبين الجرأة والحساب، وبين ما تريد قوله وما تستطيع قوله.

قلت له إن إعادة إنتاج هذا الخليط ليست مسألة تصميم ذكي أو نية حسنة، بل مسألة بيئة كاملة يصعب اصطناعها.

ربما يمكن ابتكار مبادرات، وزمالات، ومسارات تدريب، لكن الصحافة فُقدت، وفقدانها لا ينبغي أن يمرّ بوصفه تحوّلًا طبيعيًا فحسب، بل خسارة .. خسارة يبدو أنها حدثت، وانتهى أمرها.


اكتشاف المزيد من دفاتر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

أضف تعليق