جردةُ يناير

أحاول كل شهر أن أنضمّ إلى تقليدٍ مدوناتيٍّ قديم، وإن كنت أراه يضمحلّ مع مرور الأيام، وهو أن يخصّص المدون تدوينةً شهرية للنظر إلى ما كان لافتًا فيها، أو لتأمل تجربةٍ مرّ بها خلالها

لكني سأتبع فيها طريقة النشرات، فسأفكّر فيه كنشرة شهرية، لها فقراتها الثابتة، موجزة، وإشارية، أحدثكم فيها عن أحلى ما قرأت، أو شاهدت، أو استمعت، أو كتبت، أو جرّبت، مع مقدمة قد تطول إن رأيت فيّ حاجةً إلى الثرثرة، أو شديدة الاختصار إن كنت في سربال من المملل، أو بين بين كما هي حالتي الآن.

وأظن أن فكرة كهذه لا بد أنها جاءت من متابعتي لنشرة قديمة لثمود بن محفوط اسمها “نشرة النشرة”، كان يكتب فيها ما أعجبه خلال الأسبوع من المقالات، والكتب، والأغاني، والألعاب.

المهم، هاكم جردة يناير.

عشب التجافي

أظن أن هذه هي أكثر بداية أعوام حياتي حماسةً من ناحية الكتب، فتطبيق نديم يقول بأني قد قرأت منذ بدايته إلى الآن ٧ كتب، وكان يُمكن أن تكون ٨ لولا نومة عشوائية لا داعي لها، لكن ٧؟ عدد رائع!

أحلى ما قرأتهُ منها رواية “٢٤ ساعة في حياة امرأة لستيفان زفايغ”، وهي رواية قصيرة في ١٠٠ صفحة، تتحدث فيها امرأة مسنّة عن تجربة مرت بها قبل أكثر من عشرين سنة، استغرقت منها ٢٤ ساعة فقط، لكنها أخذتها إلى حوافّ الوجود.

الكتابة مجنونة، ففضلًا عن الفكرة، والمضمون، والسرد، كان تشويق الحكاية في ذروته، وهو شعورٌ نسيته تمامًا في قراءة الروايات، التي بات كتّابها يتقنون كلّ عناصرها ما عدا التشويق، وهو أحلى ما في الحكايات والقصص!

ومن بديع ما قرأت، وإن لم يكن حلوًا، دراسة متينة بعنوان “نهاية التأريخ العقدي أم التحيز المذهبي؟: فحص قراءة تقي الدين ابن تيمية لصفة الكلام الإلهي عند أحمد بن حنبل”، للباحث السعودي عبد الله الغزي.

لدي كلام كثير عن روائع هذا الكتاب، وقد قلت بعضه لا كله في السبتية الثامنة على قناة وراق في اليوتيوب، لكني على كل حال فخور جدًا بأنّ كتابًا كهذا قد كتبه رجل من بلادي، كان في مستوى مذهل من الدقة، والعمق، والشجاعة، والانضباط، والاستقصاء .. تبارك الرحمن.

لكن الكتاب كانت تنقصه الحلاوة، فهو ممل، وقراءته متعبة، وهذا لا يعيبه على كل حال.

وطالما أني ذكرت الكتابة الحلوة، فمن أحلى ما قرأت عدد من أعداد نشرة اها كتبته سارة بن حميد، وتحدثت فيه عن المشي في الحارة، وجمالياته، واستشهدت فيه بهذا البيت الأخاذ لرضا الرويلي:

«وإذا نبت عشب التجافي على الباب

ما سيّروا بعض العرب من هنيّا؟

الغربة إنه حط من دونك أغراب

ما صح نسيانه ولا تهيّا»!

لتقول إن رضا ما كان له أن ينتبه إلى هذا العشب على العتبة، لولا أنه كان يمشي في الحارة متأملًا.

قارئٌ في حانة

قد صرت من متابعي كال نيوبورت، وأعجبتني هذه الحلقة التي سجلها للجواب عن سؤال عن كيف تقرأ كتبًا أكثر، وقد قرأ في أولها مقالة عن ضرورة القراءة لعقولنا وعواطفنا، وتنمية قدرتنا على التفكير، ومشاعرنا عمومًا، بل وأخلاقياتنا، وطرح فيها مجموعة من الأفكار المهمة كعادته.

ثم انتقل إلى اقتراح سبع طرق لاستعادة القدرة على قراءة كتب أكثر، وواحدة منها كان عن القراءة في كل مكان، وبلا أي شروط تعقيدية، أو مراعاة صور نمطية، والظريف أنه قال بأن كثيرًا من قراءاته خلال الجامعة كانت في الحانات! وهو مكان غير متوقع لقراءة الكتب حتى عند الخواجات يعني.

الأبوّة

تجربة الأبوّة غريبة، ولا يتحدث عنها أحد مثلما نتحدث كلنا نساءً ورجالًا عن تجربة الأمومة!

هناك خليط من الأسباب تجعل الرجال لا يتحدثون عنها، لكن أكثرها إحراجًا أن الإحساس بالأبوّة بطيء التشكّل.

أتذكر أن أحد أصدقائي اتصل بي بعد أن رُزق بابنه بأسبوع، كان في صوته توتّر ما، وطلب منّي أن نلتقي ليلًا في المقهى، وقد كان.

أخبرني حينها أنه يشعر بالأسى لأنّه لا يحسّ بمشاعر جارفة تجاه ابنه الأول، ويعاني من ادعائها أمام أهله، ويسألني إن كان به خللٌ ما .. وبصراحة، ضحكت أولًا، ثم أخبرته أنه لا تثريب عليه، فمشاعر الأمومة تبدأ في التشكل عند المرأة ربما منذ طفولتها، ثم هي تترسخ بمتانة خلال أشهر الحمل، ومرحلة الولادة، ثم الرضاعة، وكلّ هذا يجعل من الأمومة إحساسًا يُلمس باليدين!

أما نحن؟ فحتى صورنا أثناء حمل أطفالنا أوّل مرّة تبدو غريبة، وكأن بين أيدينا جمرةً نتوق لرميها، يبدو أن حتى هذا الإجراء الوالديَّ البسيط يتطلب غريزةً ما لا تظهر بسهولة، وتطلب مرور بعض الوقت.

لا شك أن هذا الأمر لا يُمكن تعميمه، فمن الرجال من تفيض مشاعره فور رؤية أطفال الناس، فكيف يكون حاله مع أطفاله الذين من صلبه؟ لكن يُمكننا الاتفاق أن هذه المشاعر تتطور بمرور الأيام، حتى تصير شيئًا حلوًا، وفريدًا، وغير متوقع، ولا نشاركه كذلك! ربما هي عقدتنا التي لا فكاك منها، وستبقى الأبوّة تجربةً سرّية!

لكن، ربما نجد أحيانًا كوّة نُطلّ منها على الأبوّة، مثلما كتب الصديق الرائع عبد العزيز الجهني في تدوينته الأولى على مدونته محابر، سمّاها “يُعمي ويُصِم”، في نص شفاف وأخّاذ، عن مشاعر الأبوّة التي يمرّ بها مع ولده الحسن حفظهما الله لبعضهما، وعن ذكرياته مع والديه، وكيف صار يحسّ بعطائهما الماضي أكثر بعد قدوم ابنه، وهو شيء غريب لا أحسن وصفه، ولا يعرفه إلا من ذاقه، أكرم الله الجميع بذلك، يقول أبو الحسن:

«بعد قدوم ابني الحسن الى هذه الحياة، تغير كل شيء، و أراني الله حب أبي لي، بل أوسع من ذلك بكثير، سراديب المحبة و أبوابها.

أدعو في هذه المقالة لبيان كرم الأبناء على الآباء، وذلك كونهم أعطوكم هذه المعاني التي كانت عدماً فأُوجدت بهم. السعادة التي تغمرك بالمجان من غير مقابل من خلالهم. بقدر حديث الناس عن حقوق الوالدين، أسعى في توسيع أفق الوالدين عندما يتذمرون بأنهم تعبوا من هذا الصبي والصبية؛ هامسا في أذنهم “تذكر السعادة والأنس وملء الوقت الذي صنعوه لك “. 

دعوة للتواضع وعدم نكران الجميل لهم. أعطوك جذوة من الحب والرحمة والفرح والحزن مما جعلتك إنسانا أكمل.

ابني الحسن، شكرا على كل ما قدمته لي في عامين فقط».

أرجوكم، اقرأوا التدوينة، وعلقوا عنده وامدحوه، امنحوه الكثير من الدوبامين، عساه يستمرّ في الكتابة ونفوز جميعًا بتدوينات حلوة كهذه.


اكتشاف المزيد من دفاتر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

رأيان على “جردةُ يناير

اترك رداً على حسان إلغاء الرد