هل يشعر الكبار أنهم كبار؟

غدًا أكبرُ عامًا جديدًا.

انتبهتُ إلى الأمر مصادفةً، حين أرسلتُ لأحدهم تاريخ ميلادي لإتمام معاملةٍ ما، فهنّأني بعامٍ جديد بعدما لاحظ أن البارحة يوافق يوم مولدي بالتقويم الهجري.

ولا أدري لماذا ما زلتُ أشعر بشيءٍ من الغرابة تجاه أعياد الميلاد، رغم أن مجتمعي أدخلها إلى تقاليده، حتى غدت مألوفةً عند كثيرين. ربما لأن هذا اليوم يبدو لي حميميًا إلى أقصى حد، وأفضل أن يتعامل معه كل فرد ببالغ الخصوصية، وأميل فيه إلى أن يبقى يومًا عابرًا بالكاد ينتبه إليه أحد.

وما يثير دهشتي كل عام أنني لا أشعر بالحقيقة البيولوجية لعمري، ولا حتى بحقيقته الاجتماعية. لا أشعر أنني “كبير” بالمعنى الذي كنت أتخيله وأنا صغير.

ولستُ أعني بذلك التفلّت من المسؤوليات أو التظاهر بالشباب الدائم؛ فأنا منذ وقتٍ مبكرٍ جدًا من حياتي، كنت رجلًا مسؤولًا على نحوٍ ما، لكن ثمة فرقًا غامضًا بين أن تكبر في الأوراق، وأن تشعر داخلك أنك أصبحت من الكبار فعلًا.

حين أفكر في والدي عندما كان في مثل عمري الآن، يبدو لي أنه كان رجلًا مكتمل الهيئة النفسية، وينظر إليه الآخرون بوصفه كبيرًا حقيقيًا؛ أما أنا فما زلتُ أشعر أنني أقف في منتصف الطريق بين الابن والأب، بين الصغير والكبير، كأن العمر يتحرك من حولي أسرع مما يتحرك داخلي.

والغرابة أن هذا الشعور لا علاقة له بتلك الصور النمطية التي يتداولها الناس عن “الطفل المختبئ” داخل الإنسان؛ كأن ينسى نفسه فيركض خلف كرة، أو يقود دراجةً في الحارة، أو يضحك ضحكاتٍ صاخبة بلا سبب.

فأنا أصلًا لم أكن طفلًا يحب اللعب. كنت طفلًا مملًا أفضّل مجالس الرجال على لعب الكرة والذهاب للبقالة والشجار مع أبناء مع الجيران، ويستمتع بالإنصات إلى أحاديث الكبار أكثر من مشاركته أبناء جيله ألعابهم.

كنتُ أرافق أقاربي الكبار بشغفٍ غريب بالنسبة لطفل، لا لشيء إلا لأجلس بينهم وأستمع إلى حكاياتهم القديمة، أو أتأمل طريقتهم في الكلام والضحك والسكوت.

وأحيانًا كنتُ أتحمس لزيارة أحدهم فقط لأن في بيته مكتبة صغيرة، أو رُفوفًا تضم مجلاتٍ وكتبًا مختلفة. وأذكر أن أحد أبناء خالاتي كان يُخفي تلك المجلات قبل مجيئي، حتى لا أنشغل بها عن اللعب معهم.

ولوقتٍ طويل ظننتُ أن هذا الشعور يخصّني وحدي، وأن الناس جميعًا يستيقظون ذات صباحٍ ليشعروا فجأة أنهم أصبحوا كبارًا حقًا، بينما أنا وحدي الذي تأخر عن تلك اللحظة؛ لكنني قرأتُ مرةً مقالةً في النيويورك تايمز تتناول استطلاعاتٍ حول الزواج والأبوّة، وكان من بين الإجابات ما أدهشني على نحوٍ شخصي، إذ عبّر كثيرٌ من المشاركين عن الشعور ذاته؛ أنهم لا يدركون داخليًا أنهم صاروا كبارًا، وأنهم حين يقارنون أنفسهم بآبائهم في الأعمار نفسها، يشعرون أنهم لم يبلغوا بعد النضج النفسي الذي كانوا يتخيلونه في آبائهم.

ومنذ قرأت ذلك، خفّت غربتي قليلًا تجاه هذا الإحساس. ربما لا أحد يشعر تمامًا أنه صار كبيرًا، وربما الكبار أنفسهم يعيشون أعمارهم كلها وهم يكتشفون الحياة للمرة الأولى، لكنهم يتقنون فقط إخفاء دهشتهم.

ويزداد هذا الشعور غرابةً حين يُرزق الإنسان بأبناء؛ حين يراهم يكبرون أمامه، يدخلون المدرسة، ويحفظون الأناشيد، ويكبر مقاس أحذيتهم، بينما يظل هو في داخله يشعر بالسنّ ذاتها التي كان عليها قبل عقد وأكثر. كأن أبناءنا هم الذين يكبرون فعلًا، بينما نحن نكتفي بمراقبة الزمن وهو يمرّ فوق ظلالنا بصمت.

ولعل أكثر ما يهوّن عليّ هذا الشعور ابنتاي. ابنتاي اللتان لا تعاملانني بوصفـي “الأب” مكتمل الوقار، فالكبرى تناديني باسمي مباشرة: “حسان”. لا تقول: بابا، ولا أبي، ولا أيًّا من هذه الألقاب، وهو ما يثير استغراب أقاربي وأصدقائي كلّ مرّة، وأجدني مترددًا في تصحيح اسم النداء هذا، فلا حرج شرعي منه، ولا ضرورة تربوية توجبه، وأحبّ سماعه كلّ مرّة، وأنا أحبّ اسمي على كل حال.

وحين كانت أصغر سنًا، كانت تناديني: “أمّي”. وأرى أنها أجمل ما نوديت به في حياتي، فهل هناك أروع من أن تكون أمًا؟ هذا المنصب الذي لا يُمكن للرجال بلوغه!

تسابقني أحيانًا حين أقرأ الأذكار الصباحية، فتنفث في كفيها الصغيرتين، ثم تمسح بهما على جسدي كما أفعل معها، دون أن تدرك أي طمأنينةٍ تُسربلني بها في الصباحات الصعبة، وأيّ يقين تمدني به وأنا أواجه قلق الحياة.

وأما الصغرى، فلعبتها المفضلة أن تسرق من ألعاب أختها ما تتخيله ملعقةً وصحنًا، ثم تأتي إليّ لتطعمني منهما طعامًا لا شكل له ولا قوام، لكنها تؤديه بجدية أمٍّ حقيقية تخشى أن يجوع طفلها.

وأفتح فمي طبعًا، وأتلذذ بكلّ لقمة من أصابعها الصغيرة، لا لأنني أشاركها اللعب وحسب، بل لأني أتخيل أنها تفكر بأنها تُطعمني حقًا، وأنها تشعر بأنها حين تفعل ذلك تُجاري “أفعال الكبار” حين تراهم يُطعمونها، أو أنها تظنّ في الإطعام تعبيرًا عن محبة لم تتعلم الإفصاح عنها بعد بالحروف والكلمات.

أحيانًا أفكر أن الأبناء لا يجعلوننا نشعر أننا كبرنا، بل يعيدوننا إلى المنطقة عديمة الزمن في دواخلنا؛ المنطقة التي لا عمر لها.

فربما لا يكبر الإنسان حقًا كما يتخيل، وربما يظل طوال حياته ذلك الطفل القديم نفسه، بقسمات الكبار، وتصرفاتهم، وأقنعتهم التي لا بد منها.

لا بد مما ليس منه بد، أن أكبر غدًا.


اكتشاف المزيد من دفاتر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

أضف تعليق