خنسولف

تأخرتُ في كتابة هذه التدوينة كثيرًا؛ فقد كنتُ أضمّ إلى دفتر ملاحظاتي عناصرها منذ أشهر، وأؤجلها حتى أقتني كتاب «نهاية المحادثة» للأنثروبولوجي الفرنسي دافيد لوبروتون، إذ ظننت أنني سأجد فيه ما يعمّق بعض أفكاري حول افتقارنا اليوم إلى جلسات المحادثة، وإلى ذلك النوع من الصلة الإنسانية الذي ينشأ حين يجلس إنسان إلى إنسان ويتحدثان.

وحين قرأت الكتاب وجدتُه ينشغل أكثر بأثر منصات التواصل الاجتماعي في تراجع المحادثة، وبانتقالنا من الحديث إلى ما يسميه «الاتصال»، في نقد طويل لبلايا هذه المنصات وآثارها، مكتوب برطانة أكاديمية تغريك بالاقتباس. وهو كتاب مهم، لكنه لم يكن تمامًا الكتاب الذي كنت أبحث عنه؛ لأن ما يشغلني أبسط من ذلك: وجود المحادثة نفسها في حياتنا، تلك الصلة الكلامية بيننا وبين الآخرين، التي تجعلنا مرئيين ومسموعين، وتتيح لنا أن نرى الآخرين ونسمعهم، والتي لا تستطيع وفرة الاتصال الرقمي أن تمنحنا بديلًا عنها.

والمشكلة أن هذا المستوى البسيط من الحديث طالته يد التخريب الذي جاءت به المنصات؛ فأصبحت لقاءاتنا في كثير من الأحيان امتدادًا لما جرى على الشاشة قبل اللقاء، إذ نكون قد استنزفنا رصيد الكلام في هذه المنصات بتوثيق قراءاتنا، ولقاءاتنا، وسفراتنا، وأحداثنا الاجتماعية، ثم حين نلتقي نتحدث عن التغريدة الفلانية، والمقطع العلاني، والصورة التي نشرها فلان، ونضحك على الشيء نفسه الذي ضحكنا عليه قبل ساعات، ونستأنف النقاش الذي بدأناه في التعليقات. كأن محادثاتنا دخلت في «العود الأبدي» الذي صوّره نيتشه: تكرار لا نهائي لمادة واحدة، يعاد إنتاجها في كل مجلس.

وذات يوم كنتُ في حضرة أحد معارفي، وهو رجل ثمانيني، فاستثرته بسؤال عن دخول السيارة إلى قريته للمرة الأولى. بدأ يحكي، ووجدتني شديد الانتباه إلى حديثه؛ فقد كان يستعيد أمامي مشهدًا من زمن بعيد، وفجأة توقف ليقترح عليّ مشاهدة مقطع وصله للتو على الواتساب. كانت لحظة نموذجية تُلخّص ما أتصوره من عطب في محادثاتنا، فحتى المحادثة نفسها صارت ذات طابع «تايملايني»؛ شيء يظهر، فيستولي على الانتباه، ثم يقفز شيء آخر فوقه، فلا نكاد نمنح الحكاية وقتها حتى ننتقل إلى صورة أو مقطع أو خبر. صار انتباهنا سريعًا ومجزأً، وانتقلت عادات التصفح إلى المجالس.

وقد ازداد انتباهي إلى ذلك منذ أن توقفت عن استعمال منصات التواصل الاجتماعي في منتصف ديسمبر الماضي، إذ تحررت قليلًا من الجوال، وإن ظل يستحوذ على انتباهي من حين إلى آخر. وذات مرة قالت لي ابنتي، وأنا منشغل به:

«سيب الجوال وخنسولف!»

فذكرتني بجملة قالتها لي طفلة أعرفها قبل نحو خمس سنوات، حين كانت تحدثني وأنا غارق في جوالي:

«خل الجوال وخنسولف».

وما يجمع بين الطفلتين أنهما لا تعيشان يومهما أمام الشاشات؛ لا تملكان جوالًا ولا جهازًا لوحيًا، ولديهما اللعب والهوايات والحركة والحديث. ولذلك فالمحادثة عندهما جزء طبيعي من اليوم، وحين ينشغل الإنسان الذي أمامهما بجهازه فإن شيئًا من اللقاء يُسلب منهما. وهذه التدوينة مدينة لهما، وهي مهداة إليهما.

قفي قبل التفرّق

كنتُ كثيرًا ما أنتبه إلى مركزية الحديث في التراث والقصص والأساطير. تكفي شهرزاد مثالًا؛ امرأة جعلت الحكاية وسيلة لتأجيل الموت، وأبقت حياتها قائمة ما دام بينها وبين الملك حديث لم ينتهِ. وفي الأساطير اليونانية صور أخرى لهذا السحر القديم للكلام؛ ففي قصة إيكو كانت مهمتها أن تشغل هيرا بالحديث، وفي قصة بومونا وفرتومنوس، جاء فرتومنوس إلى بومونا في هيئة عجوز حكّاءة، واستطاع بغواية الكلام أن يصل إلى قلبها بعدما أعرضت عن الخاطبين.

وفي الشعر العربي صورة أحبها كثيرًا في هذا الباب؛ حين يقول عمرو بن كلثوم:

«قِفي قبلَ التفرُّقِ يا ظَعينةْ
نُخبِّركِ اليقينَ وتُخبرينا»

والشاعر هنا يستعيد عمرو بن هند وأمه بعد أن قتلهما، فيستوقفهما قبل الرحيل، لأن ثمة كلامًا لم يُقل بعد، «نخبرك» و«تخبرينا»، كأن الموت يمكن تأجيله قليلًا حتى يأخذ الحديث حقه، وحتى يقول كل واحد للآخر ما عنده، أن أحدثك، وأنصت إلى حديثك، رغم عداوة بيننا أفضت إلى مقتلة!

ولعل هذا يفسر شيئًا من المكانة التي تحتلها المحادثة في حياة الإنسان. يذكر كال نيوبورت في «فلسفة التجرد الرقمي» أن أبحاث علم الأعصاب أظهرت نشاط مناطق في الدماغ حين نكون غير منشغلين بمهمة محددة، وترتبط هذه الحالة كذلك بالتفكير في حياتنا الاجتماعية وعلاقاتنا بالآخرين. ويبني نيوبورت على ذلك وغيره دعوته إلى استعادة المحادثة في حياتنا، بأن نعيد ترتيب حياتنا الاجتماعية بحيث تكون المحادثة هي المركز، وتؤدي الأدوات الرقمية أدوارًا مساعدة لترتيبها، ويقترح لذلك أمورًا مثل التوقف عن استعمال زر الإعجاب والتعليقات بوصفها بدائل عن التواصل، وتقليل الرسائل المتواصلة، وجعل الاتصال الرقمي خادمًا للقاء بدل أن يصبح اللقاء نفسه.

لقاء الإخوان

حين كنتُ في سنوات البكالوريوس أقرأ «سير أعلام النبلاء»، كان محمد بن المنكدر من التابعين الذين استوقفتني سيرتهم، وبقيت في ذاكرتي من كلماته هذه الجملة:

«ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث: قيام الليل، ولقاء الإخوان، والصلاة في الجماعة».

استوقفتني دائمًا عبارة «لقاء الإخوان»، خصوصًا حين نقرأها في زمن نستطيع فيه أن نعرف أخبار عشرات الأشخاص كل يوم، ونرى صورهم ونقرأ ما كتبوه ونشاهد ما شاهدوه، ثم نكتشف أننا قد لا نجلس مع أحدهم جلسة حقيقية.

ربما نحتاج اليوم إلى استعادة معنى «اللقاء» كما عرفه ابن المنكدر؛ أن نجلس إلى إنسان ونمنحه انتباهنا، ونسمع حكايته حتى نهايتها، ونترك للحديث أن يتشعب بنا من قصة إلى أخرى، وندخل في ذلك التوازن الأخّاذ بين الصمت والكلام، وبين الإصغاء والاسترسال، مملوئين بالحكايا والأخبار.

ولهذا أحب جملة ابنتي أكثر مما كنت أظن:

«سيب الجوال وخنسولف».

فيها، على بساطتها، تذكير بشيء عظيم، أن نترك العالم قليلًا، ونلتفت إلى إنسان واحد، ونمنحه وقتنا كاملًا، ثم ندع الكلام يأخذ طريقه.

خل الجوال.

وخنسولف.


اكتشاف المزيد من دفاتر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

4 آراء على “خنسولف

  1. مقالة مُسعدة لأني وجدت فيها أحد محبوباتي، حينما أعود من الدوام في مدخل مدينتي كوفي، لا أؤجل النظر إليه، لسبب واحد وهو رؤية منظر اثنتين يتحدثان في باحته.

    بوركت كتبت فأبلغت، إذا لم تجد في الكتاب ما يُشاطرك، فكتبته أنت.

    Liked by 1 person

    1. هذا من كرمك ولطفك .. وفعلا صاير من المناظر المحببة إن الواحد يشوف اثنين يسولفون بكامل انغماسهم.

      إعجاب

أضف تعليق