أكتب هذه التدوينة من مقهى بين الخميس وأبها، حيث أقضي شبه إجازة بين مطر، وضباب، وليالٍ باردة، وصباحات نديّة تعيد للمرء شيئًا من خفته بعد أشهر من العمل المكثف.
قضيت الشهرين الماضيين في أيام متخمة بالكتابة؛ كانت الطلبات تتوالى بلا انقطاع، وفي مجالات معرفية مختلفة، استوجبت مني كثيرًا من البحث والقراءة والتقصّي. وكان في هذا الانشغال متعة خاصة؛ إذ وجدتني أعود إلى الكتب والمصادر كل يوم تقريبًا، وأتنقل بين موضوعات لم أكن لأطرق أبوابها لولا هذه الأعمال. بعض الموضوعات أخذني إلى أماكن لم أتوقع أن أصل إليها، وبعضها جعلني أفتح كتابًا لأجل فقرة واحدة، فأجد نفسي بعد ساعة أو ساعتين ما زلت أتتبع حواشيه ومراجعه.
وأجمل ما صار هذه الفترة أنني رأيت ثمار ما بنيته خلال الفترة الماضية من قدرة على التركيز؛ فبت أستطيع أن أجلس ساعات للقراءة أو الكتابة، وأظل حاضر الذهن مع ما بين يدي، بدل أن تتشظى الساعة بين عشرات الملهيات. والحمد لله، أشعر أن هذا من أثمن ما كسبته في هذه الرحلة؛ فالقدرة على التركيز تبدو في ظاهرها مهارة صغيرة، لكنها تغيّر علاقتك بالعمل وبالكتب وبنفسك؛ أن تستطيع أن تعطي الشيء الواحد حقه من انتباهك، وأن تبقى معه حتى ينفتح لك، بدل أن تغادره عند أول لحظة ملل.
جاءت هذه الأيام الهادئة لألتقط أنفاسي قليلًا، وأستعيد شيئًا من المسافة التي يحتاجها كل كاتب. أحب هذه المسافة بعد العمل الكثير؛ أن تبتعد قليلًا عن مكتبك، وتترك الأفكار التي كانت تضغط عليك طوال الأيام الماضية تستقر في مكانها. يكفيني هذا الجو، وكتاب قريب، ومقهى هادئ، وبعض الوقت الذي لا يطلب مني أحد فيه شيئًا.
قرأت
لم أتم خلال الشهر المنصرم أي كتاب؛ فقد اخترت مع بدايته كتابًا ضخمًا هو «من الميسر الجاهلي إلى الزكاة الإسلامية: قراءة إناسيّة في نشأة الدولة الإسلامية الأولى» للباحث الأنثروبولوجي والمترجم الدكتور محمد الحاج سالم، وما زلت في منتصفه تقريبًا.
لا أستطيع أن أعدّ عدم إتمام الكتاب تقصيرًا هذه المرة؛ فالكتاب من تلك الكتب التي تستدعي منك أن تمشي معها على مهل؛ فكل فكرة فيه تفتح وراءها بابًا، وكل باب يقود إلى مادة تحتاج إلى شيء من التأمل. وهو مغامرة فكرية شجاعة لإعادة بناء صورة الميسر كما كان عند الجاهليين، لا بوصفه مجرد لعبة نهى عنها الإسلام، بل باعتباره مدخلًا لفهم عالم كامل: ديانتهم، ونظمهم الاجتماعية والاقتصادية، وعلاقتهم بالثروة والسلطة، وكيف كان الميسر يؤدي وظيفة اجتماعية في تفتيت محاولات مراكمة الثروة وظهور حكم مركزي يمكن أن ينتهي إلى قيام دولة.
أكثر ما يدهشني في الكتاب الطريقة التي يجمع بها مؤلفه خيوطه من أماكن متباعدة؛ كبقايا الحكايات والقصائد التي وصفت الميسر، والمقارنات مع أديان الشعوب القديمة، والبحث اللساني في اللغات المندثرة، وما حفظته المصادر الإسلامية من إشارات متناثرة؛ ثم يعيد تركيبها ليقترح صورة متكاملة للعبة، وقواعدها، وأطرافها، ووظيفتها الدينية والاجتماعية، وما يتصل بها من أساطير الجزيرة العربية.
والجميل أن الكتاب لا يكتفي بأن يخبرك كيف كان الميسر يُمارس، بل يحاول أن يجعلك تراه داخل البنية التي أنتجته. وهذا النوع من الكتب أحبّه كثيرًا؛ حين لا يبقى الشيء الذي نعرفه في صورته المألوفة، بل يتحول إلى نافذة ترى من خلالها مجتمعًا كاملًا.
كتاب مرعب في جرأته، مدهش في مادته، وشجاع في أسئلته، ومن الكتب التي تجعلك تنظر إلى نص مألوف، فتكتشف خلفه عالمًا لم تكن تراه.
كتبت
أنجزت وعدي بكتابة مقالة عن مشروع دريني خشبة في تقريب الأساطير اليونانية. لست راضيًا عنها تمام الرضا؛ فقد كانت في ذهني منذ البداية فكرة أوضح مما استطعت أن أضعه على الورق، وكلما حاولت صياغتها شعرت أنني لم أمسك بها بعد على النحو الذي يجعلها تخرج سلسة وواضحة، ولعل السبب الأصدق أنني لم أتعمق في فهمها بالقدر الكافي لأكتب عنها بالسهولة التي كنت أريد.
كنت أريد أن أربط بين هدف دريني في نقل أساطير اليونان، وتنظير طه عبد الرحمن في مراتب الترجمة، والكشف عن مشكلة في اعتبار الأسلوب الذي يكتب به دريني أسلوبًا تراثيًا قرآنيًا. كانت الفكرة تبدو لي متماسكة في رأسي، لكن الكتابة لها طريقتها الخاصة في اختبار الأفكار؛ فما يبدو واضحًا في الذهن قد يتبين عند وضعه على الورق أنه يحتاج إلى مزيد من البحث أو الترتيب أو حتى إعادة النظر.
خرجت المقالة أطول مما أردت، وأقل إحكامًا مما تمنيت. ومع ذلك، فيها شيء من الأفكار التي أظنها مفيدة، وربما تكشف بعض الأبعاد التي كنت أريد الوصول إليها، فقررت نشرها على علاتها.
وأظن أن من الأشياء التي أتعلمها من الكتابة باستمرار أن المقالة لا تكون دائمًا الصورة النهائية التي كنت تراها في رأسك قبل أن تبدأ. أحيانًا تكون مجرد خطوة إليها؛ محاولة أولى لترتيب شيء لم ينضج تمامًا، ثم تأتي القراءة والكتابة اللاحقة لتفعل ما لم تستطع المقالة الأولى فعله.
من أثير المدونات
تعرفت قبل أشهر بالصدفة المحضة على مدونة اسمها «شروق» منذ أن نشرت تدوينتها الأولى. ومنذ ذلك الوقت وأنا أقرأ لها تدويناتها أولًا بأول، مأخوذًا بقدرتها على الكتابة عن أكثر الأشياء عادية بأسلوب أخّاذ، والاقتراب بجرأة من أكثر مخاوفنا رعبًا.
هذا النوع من الكتابة أحبّه؛ أن يأخذ الكاتب شيئًا يبدو مألوفًا في حياة الناس، ثم يمنحه من انتباهه ما يُزيل عنه حجاب الألفة، وما يكفي ليصير جديرًا بالكتابة. لا تحتاج المدونة الجيدة إلى أحداث استثنائية كي تأخذك معها؛ يكفي أن يكون صاحبها قادرًا على النظر بطريقة مختلفة إلى ما حوله.
كنت أضنّ بمدونتها عن أعين الناس لسبب لا أعرفه؛ كأنني وجدت مكانًا صغيرًا أحب أن يبقى بعيدًا عن الزحام، لكن قرّاءها اتسعوا الآن، وربما آن لهذه المتعة الصغيرة أن تتسع دائرتها قليلًا.
أترك لكم متعة أن تكتشفوا بأنفسكم ما الذي جعلني أعود إليها كل مرة.
اكتشاف المزيد من دفاتر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
