لماذا علينا معاشر الكتّاب والمدوّنين القراءة للمصريين؟

أحبّ القراءة للمصريين. بدأ هذا التعلّق مبكرًا، حين وقعت بين يديّ بعض الكتب التي كانت في مكتبة والدي؛ مثل على “هامش السيرة” و”دعاء الكروان” و”المعذبون في الأرض” لطه حسين، و”الحرافيش” لنجيب محفوظ، و”أهل الكهف” لتوفيق الحكيم، وغيرها من الكتب التي تركت أثرًا عميقًا في ذائقتي.

ثم عرّفني والدي لاحقًا على سلسلة “روايات مصرية للجيب”، وكانت بعض أعدادها تتوفر في قرطاسية البوادي، القريبة من دوّار الجواد الأبيض عند تقاطع شارع حراء مع الستين.

وبالمناسبة، لم يكن هناك جواد أبيض أصلًا! بل كان مجسّمًا لقارب على ما أذكر، قبل أن يُزال الدوّار. وحكايات إزالة الدوارات وما عليها من مجسّمات في جدة حكايات محزنة؛ إذ تختفي معها صور ذهنية كاملة تشكّلت في ذاكرة المدينة وسكّانها، وفي هذه الأيام يُزال من قرب بيتي دوّار الجمل، الواقع عند مدخل ضاحية أبحر الشمالية.

ومن حين إلى آخر كنت أجد في القرطاسية بعض أعداد الرجل المستحيل لنبيل فاروق، أو ما وراء الطبيعة لأحمد خالد توفيق، رحمهما الله رحمة واسعة.

لكن علاقتي بالكتابة طوّرت علاقتي بالقراءة للمصريين؛ فمنذ بدأت أكتب يوميًا، وصارت الكتابة جزءًا من عملي وحياتي، اكتشفت أن القراءة للمصريين تُلهمني على نحو خاص؛ تساعدني على صقل الموهبة، وتطوير أدواتي، وتنويع طرائق التعبير والتفكير في الكتابة والتدوين.

وكنت قد حدّثت صديقي “ورّاق” مرةً عن هذه الملاحظة، فسألني عن السبب، فقلت له: أظن أن هناك أربعة عوامل تجعل القراءة للمصريين ضرورة لكل كاتب: التأسيس الصحفي، وحضور الأدب الشعبي، والتوازن بين التراث والحداثة، والثقافة الصوفية التي تتسرّب إلى الحياة اليومية واللغة والخيال.

ثم فوجئت لاحقًا باقتباس لنجيب محفوظ نقله المغرد حامد من كتاب “نجيب محفوظ: عن الكتابة” لعمرو فتحي، يتحدث فيه نجيب عن مصادر إلهامه وكيف طوّر موهبته الكتابية، فإذا هي على نحو مدهش تدور حول العوامل نفسها التي كنت قد استنتجتها. يقول:

«كنتُ حصيلة ثقافة تبدأ بالتراث والقرآن والحديث، وألف ليلة وليلة، والسير الشعبية، وتنتهي بالآثار الروائية والأدبية الغربية، إضافة إلى تجربتي الإنسانية».

وأتذكر أني قرأت له كلامًا آخر عن أثر الصحافة في تكوينه، لكن غاب عني موضعه الآن، وسأضيفه حين أجده.

على كل حال، أحببت أن أتحدث عن هذه العوامل في هذه التدوينة.

التأسيس الصحفي

للصحافة حضور قديم في مصر؛ إذ صدرت أولى الصحف العربية في القاهرة خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، ثم بدأت بعدها مسيرة طويلة وثرية ومتنوعة للصحافة المصرية، وفّرت بيئة تدريب ومنصة ظهور لكل هواة الكتابة وموهوبيها، ولذلك قلّ أن تجد كاتبًا مصريًا لم يمرّ بتجربة صحفية، ولو على نحو جزئي.

والصحافة تدفع صاحبها إلى كثير من محاسن الكتابة التي سبق أن كتبت عنها في تدوينة أخرى؛ مثل تنويع مجالات الاهتمام، والعناية بسلاسة الأسلوب، والحرص على الوصول إلى القارئ، والاهتمام بالشكل، ورصانة الرأي، والتمرس على معرفة المصادر والمراجع، والعناية بالأدلة والاستشهادات، وغيرها من الأدوات التي تصقل الكاتب وتجعله أكثر وعيًا باللغة والناس معًا.

حضور الأدب الشعبي

يُقلّل بعض أهل الرأي على نحو غريب من شأن الأدب الشعبي والأساطير، ولذلك لا تكاد تجد لهذه الكتب نشرات حسنة، على الرغم من اتساع دوائر تأثيرها.

لكني أظن أن حضور هذا الأدب في المجتمع المصري حضور استثنائي؛ فتكاد تجد عامة الناس يعرفون حكايات ألف ليلة وليلة، وسيرة عنترة بن شداد، والظاهر بيبرس، والأميرة ذات الهمة، والتغريبة الهلالية.

وكانت هذه الحكايات تُروى في المقاهي الشعبية، حيث يلقيها رواة تفننوا في الأداء وأساليب الكلام، قبل أن تُكتب وتُنشر وتُباع في الأكشاك، وتصير من الكتب الذائعة التي يطالعها كل محب للقراءة في نشأته.

والأدب الشعبي بما فيه من أساطير وحكايات من أهم منابع الخيال وأثرى مصادر التفكير السردي. ولن تصدق أن أحد أكثر الكتب تأثيرًا في كتّاب الأفلام والمسلسلات والروايات في الغرب ليس إلا كتاب “البطل بألف وجه” لجوزيف كامبل، وهو كتاب عن الأساطير، يحاول أن يقدّم نمطًا واحدًا لها مهما اختلفت شخصياتها.

ومن أهم مصادر الأدب الشعبي في السعودية كتابا “أساطير شعبية من قلب جزيرة العرب” و”الأمثال الشعبية في قلب جزيرة العرب” لعبد الكريم الجهيمان رحمه الله، إلى جانب كتب أخرى كثيرة، تحدث عنها مازن العتيبي في بودكاست شيّق ومهم اسمه “المراجع“.

النهل من معينين

يبدو أن سبق مصر في النقاشات الفكرية جعلها تحسم على نحو عملي كثيرًا من الخلافات التي ما تزال تُستعاد في أماكن أخرى من العالم العربي. ومن ذلك مسألة التراث والحداثة، وهي مسألة لها أبعاد كثيرة، لكن ما يعنيني هنا جانب القراءة والتكوين الثقافي.

فقد تجد من الكتّاب العرب من يهوّن من شأن القراءة في التراث الإسلامي، ويتحدث عن “الأوراق الصفراء” بنبرة ازدراء، وتجد في الجهة المقابلة من يرى في الأدب الغربي انهزامًا وتقليدًا. أما عند كثير من الكتّاب المصريين فستجد حضورًا متوازنًا بين هذين المعينين، دون تكلف أو ادعاء.

وربما كان من أسباب ذلك المشروعات الحكومية الكبرى في النشر، التي تخصص كل واحد منها في جانب معرفي مختلف، فأتاحت للقارئ المصري الاطلاع على التراث العربي والأدب العالمي معًا، في طبعات حسنة وأسعار زهيدة.

فقد تعرّف كثير من القرّاء إلى كتب التراث عبر سلسلة “الذخائر” التي كانت تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة، وهي نشرات متقنة لعيون التراث العربي، حققها كبار المحققين المصريين، وتنوعت موضوعاتها بين التفسير والكلام والتاريخ واللغة والشعر والتراجم وغيرها.

وفي المقابل، قام المركز القومي للترجمة بمهمة نقل عيون الأدب والفكر الغربي إلى العربية، على يد مترجمين متخصصين، وبأسعار منخفضة سمحت لمختلف الطبقات بالنهل من هذا المعين دون عوائق كبيرة.

وغيرها من المشروعات الحكومية مثل “سلسلة مكتبة الأسرة”، والكتب التي تصدرها دار الكتب المصرية، هذا إلى جانب الدور المدهش والقديم لدور النشر المصرية الخاصة، في نشر كتب التراث، وترجمة الفكر والأدب من مختلف أنحاء العالم.

الثقافة الصوفية

للتصوف حضور قديم ومتجذر في مصر، وكثير من الطرق الصوفية نشأت أو تطورت في أقاليمها المختلفة، وما تزال آثارها حاضرة إلى اليوم بمحاسنها ومثالبها.

لكن ما يعنيني هنا أثر هذه الثقافة في الكتابة والخيال؛ إذ إن الكاتب المصري في الغالب يحمل نزعة تدين، تقل أو تكثر، تدفعه إلى قراءة القرآن، والسيرة النبوية، وقصص الأنبياء، وكتب الحكمة والزهد. ولذلك تجد لهذه المعاني حضورًا في كتاباتهم، أو ألفوا فيها كتبًا خاصةً صارت من أحلى الكتب في مجالاتها وأشدها تأثيرًا.

ولا أقصد بهذا الكلام الاكتفاء بقراءة الجيل القديم من الكتّاب المصريين؛ فالمشهد الثقافي المصري اليوم ما يزال حيًا ومليئًا بالأسماء اللامعة، وفيه كتّاب شباب يكتبون بذكاء وحيوية وتجريب لافت، بل إن من أجمل ما في القراءة للمصريين أنك تشعر باستمرار السلسلة؛ كأن كل جيل يسلّم اللغة والحكاية والخيال إلى الجيل الذي بعده دون انقطاع.

ولست أقول إن كل كتابة مصرية جيدة بالضرورة، ولا إن الإبداع حكر على بلد دون آخر؛ ففي كل أرض كتّاب كبار وتجارب ملهمة، لكني أتحدث هنا عن ظاهرة لفتت انتباهي قارئًا وكاتبًا؛ وهي أن القراءة للمصريين تمنح الكاتب حزمة من الأدوات والأفكار لا يمنحها غيرهم.

ولهذا كله، كلما أردت أن أستعيد شغفي بالكتابة، عدت إلى رفوف المصريين.


اكتشاف المزيد من دفاتر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

أضف تعليق