كانت تلك حجتي الثانية إلى بيت الله الحرام، يوم خرجتُ مع عمتي محرمًا لها عام ٢٠١٢م، وأنا بعدُ في سنتي الجامعية الأولى، في ذلك العام الذي امتلأت فيه المشاعر بالحجيج حتى قيل إنه العام الأعلى عددًا في تاريخ الحج كله؛ إذ اجتمع أكثر من ثلاثة ملايين مسلم في الوادي العتيق.
اختارت عمتي حملة من أفخم حملات الحج حينها، وكنت أُمني النفس بحجة هادئة، أختلي فيها قليلًا بنفسي بعد حجتي الأولى التي كانت بين صخب الأصدقاء، وظننتُ أنني سأظفر هذه المرة بشيءٍ من السكينة التي تُشبه ما نقرؤه في كتب الزهّاد، لكني ما إن دخلت القاعة التي جمعت حجاج الحملة قبل التحرك إلى المشاعر حتى رأيتُ عددًا من أصدقائي يعملون في الحملة مرشدين وإداريين، فعرفت من اللحظة الأولى أن العزلة التي جئت أطلبها قد ذهبت أدراج الرياح.
ولعل من أجمل ما في الحج تلك الليالي التي يقضيها الناس في منى، تأتي بعد أن تنقضي المشاعر العظام، وبعد أن يقف الحاجّ في عرفات، ويبيت بمزدلفة، ويرمي جمرة العقبة، ويطوف ويسعى ويتحلّل، فتنحلّ عن قلبه شيئًا فشيئًا تلك الهموم التي لازمته منذ بداية الرحلة؛ إذ يكون قد فرغ من أعظم أعمال الحج وأكثرها مهابة، واطمأن إلى أنه أدى نسكه الأكبر، وتنقّل بين المشاعر كما ينبغي، خاصة لمن كان مرافقًا لكبير في السن كما كنت مع عمتي.
هناك في منى يشعر المرء أنه خرج من قلب الموجة إلى شاطئها، النسك الأكبر أُنجز، والعيد حلّ بين الخيام، والناس يتقاسمون الطعام والتمر والقهوة والضحكات كما لو أنّ الأرض كلّها تحولت إلى قرية واحدة، يتحدث أهلها بلسان واحد، وترى الحجاج من كل فجٍّ عميق؛ يتبادلون عناوينهم كأنّهم يوقعون هدنة إنسانية قصيرة قبل أن يعود كلّ واحد إلى بلده البعيد.
وكان مقر الحملة قائمًا على ربوةٍ مرتفعة من منى، تتقدمها ساحة فسيحة تُشرف على بحر لا نهاية له من الخيام البيضاء، التي امتدت من تحتنا حتى الأفق البعيد، وكان منظرها في الليل يُدخل الإنسان في حالة من الذهول الصامت؛ فلا هو قادرٌ على الكلام، ولا هو راغبٌ في أن يصرف عينيه عنها. وكنتُ كثيرًا ما أقف عند سور المقر، أحدّق في تلك الخيام المتلاصقة، وفي الأضواء التي ترتعش بينها، فأشعر أنّني أنظر إلى قلب العالم الإسلامي وهو ينبض دفعة واحدة.
ولم تكن شبكات الاتصال تصل إلى المشاعر كما تصل اليوم؛ إذ كانت شركات الاتصالات ترى فيما يبدو أن خدمة ملايين الحجاج لبضعة أيام من السنة نمطٌ من الترف الزائد، وربما أرادت أن تُعين الناس على تحقيق مقصد أيام منى في الأكل، والشرب، وذكر الله، وترك الجوالات وشأنها! أما الإنترنت فكان شيئًا أقرب إلى الخيال العلمي، لا يخطر ببال أحد أن يطلبه أصلًا، بينما ينعم الحاجّ اليوم والحمدلله باتصال يكاد يتيح له أن يبثّ رمي الجمرات مباشرةً بجودة سينمائية، مع تعليقٍ حيّ وتحليلٍ فنيّ بعد انتهاء الرمية.
ولذلك لم يكن أمامنا إلا السواليف، لا مهرب منها، ولا ملاذ إلا إليها، فإيماننا لم يكن من القوة بحيث يجعلنا نقضي الأيام كلّها في الذكر وحده، فصرنا نلوذ بالأحاديث كما يلوذ الناس بالنار في الليالي الباردة، حيث نجتمع بعد صلاة العشاء في مجالس ممتدة، هذا ينشد الشعر، وذاك يحكي قصة قديمة، وثالثٌ يُشاركنا خبرًا غريبًا عن بلده، وبين هذا وذاك تتعالى ضحكاتنا ثم تخفت بعد أن نسكت بعضنا حرجًا من الحجاج الذين اقتصروا فعلًا على الأكل القليل، والشرب القليل، وذكر الله.
غير أنني في الليلة الأخيرة من ليالي منى، شعرتُ بتعب وخمول، فاستأذنت من أصحابي مبكرًا، ولم آكل شيئًا -وأنا لا أكاد آكل في الحج- ثم ذهبتُ إلى النوم عقب صلاة العشاء مباشرة.
واستيقظت قبل الفجر بوقت غير طويل، لا أذكر الآن على وجه التحديد، لكنّي أذكر جيّدًا أن الوقت كان كافيًا بالكاد للقصة التي سأحكيها لكم، والتي انتهت مع أذان الفجر تمامًا.
خرجتُ من الخيمة أمشي بين الممرّات الهادئة حتى بلغت الخيمة التي تضمّ ثلاجات الآيسكريم وترامس القهوة وكراتين البسكويت التي تُفتح طوال الموسم بلا حساب، فأخذتُ بعض البسكويت أسدّ به جوعي، ثم أعددتُ كوب نسكافيه سادة -إذ لم نكن قد عرفنا القهوة المختصّة بعد- وخرجتُ إلى ما سميتها “بلكونة” المخيّم المطلة على منى.
كان يهبّ على منى في تلك الساعة نسناسٌ بارد كما أتذكر، من ذلك النوع الذي يدفع القلب لحبّ كلّ شيء، واستذكار كلّ شيء، والانفتاح على أيّ شيء. وكانت الخيام تلمع تحت الأضواء الصفراء، بينما افترش الحجاج الأزقّة والساحات في كل مكان؛ هذا نائمٌ وقد التحف إحرامه، وذاك يمشي ببطءٍ كأنّه يتحرك داخل حلم، وآخرون جلسوا في حلقات صغيرة يحتسون الشاي ويتبادلون أحاديث خافتة قبل الفجر.
وقفتُ هناك وحدي، ممسكًا كوب النسكافيه بكلتا يدي، أحدق في ذلك المشهد الهائل الممتد أمامي، دون أن أعرف أنّ الدقائق التالية ستمنحني واحدةً من الحكايات التي لا تتكرر.
فجأة وقف إلى جواري رجلٌ طويلٌ ونحيل على نحوٍ لافت، كان أسمر البشرة، غائر العينين، حتى بدت عيناه كأنهما مستقرتان في قاع وجهه، تُحيط بهما دوائر داكنة تُشبه الكدمات، تُزينها غابة من الرموش التي احتفظت على نحو غريب ببقايا جمال واضح.
وكان يحمل طفلًا صغيرًا شديد البياض والجمال، لاعبه قليلًا ثم أنزله إلى الأرض وطلب منه أن يذهب إلى جده، قبل أن يلتفت إلي مبتسمًا ويُسلم. وكانت في لسانه تلك اللكنة المكيّة البدوية العذبة، لهجة أهل البادية الذين استقرّوا في مكة وخالطوا أهل الحضر طويلًا.
قال وهو يشير إلى الطفل: “أتدري من هذا؟ هذا ابني”. فقلت: “ما شاء الله، الله يحفظـ ..” قاطعني سريعًا وقال: “لن تُصدق أنه ابني، أعرف، انتظر”، ثم أخرج من جيبه محفظته وأخرج منها هويته الوطنية، وما إن وقعت عيني على الصورة حتى وقعت علي شاب ممتلئ الوجه، حسن العينين، يفيض وجهه بالطيبة والحبور، أمّا الرجل الواقف أمامي فكان يبدو شبحًا عجوزًا!
هزّ رأسه وهو يبتسم ابتسامة مرتبكة، ثم أخذ يتكلم بصوت خافت متتابع، كأنه يخشى إن توقف لحظة واحدة ألّا يستطيع إكمال الكلام بعدها:
“مستحيل أحد يصدق .. جئتُ إلى الحج مع أبي وأمي، يريدان مني أن أنساها، تخيّل! تزوجتها عن حب، ومن الذي يستطيع أن يتزوج عن حب؟ لكني فعلتها، أحببتها كثيرًا، وأظنّ أنها أحبتني أيضًا، عشنا سنوات كلها فرح وسفر وضحك وسهر طويل، ثم حملتْ بهذا الولد، وبعد ولادته تغيّر كل شيء، صارت لا تُطيق رؤيتي ولا حتى سماع اسمي، كرهتني كرهًا أخافني أنا نفسي، جرّبنا الأطبّاء النفسيين والمستشارين وحتى المشايخ، وكل يوم كانت تُلحّ علي أن أطلقها وتقول: إذا كنت تحبني فعلًا طلقني! ثم توقّفت عن الأكل والكلام وصار يُغمى عليها من قلّة الطعام، حتى خفتُ أن تنتحر، فطلّقتها. والله من شدّة شفقتي عليها، ومن شدّة حبّي لها أيضًا، ثم بعد ذلك صرتُ أنا مثلها، لا آكل ولا أنام ولا أعمل ولا أرغب في شيء، وأهلي جرّبوا معي كل شيء، حتى قالوا: تعال نحجّ هذا العام ونسأل الله عند بيته أن يُخرجك ممّا أنت فيه”.
وكانت عيناه كلما تقدم في الكلام تمتلئان بالدموع شيئًا فشيئًا، بينما يُقاوم إغلاق جفنيه خشية أن تنهار دموعه أمام رجلٍ غريب لا يعرفه.
ومع آخر كلمة قالها بالضبط أذّن الفجر، فقال: “يلا، لا أشغلك أكثر”، ثم التفت ومضى وأنا ألمح على خديه خطين واضحين من الدمع الغزير، وأدركت أن الطريقة المباشرة التي بدأ بها الحديث، واسترساله الطويل دون انتظار أي كلمة مني، لم تكن إلا رغبةً جارفة في أن يروي قصته لأي إنسان، أي إنسان فقط، قبل أن يختنق بها.
اكتشاف المزيد من دفاتر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

لا توجد آراء بشأن "ضجيجٌ ووجيبٌ"