جردة مايو

أتممتُ شهرًا منذ عودتي المظفرة إلى النادي.

أقول عودة لأن لي حقبة بديعة مع الأندية، كنت فيها فتى الروتين المذهل، حتى أنني عندما أعود بذاكرتي إليها لا أجد فيها لفتةً مميزةً، ولا خروجًا عن النص، كانت أيامي متشابهة إلى حد التطابق التام .. إي والله تطابق تام، صدقوني لا شيء مختلف.

وأقول مظفرة لأنني بدأتُ ألمس تغيرات كثيرة على وجه السرعة، ذلك أني شرعتُ في تحديث معارفي المتعلقة بالتغذية والتمارين منذ أن بدأ تشييد النادي بجوار بيتي تمامًا، فما أن افتتح النادي واشتركت حتى وجدتني أبدأ من خطوة متقدمة، بجدول تمارين واضح ومناسب، ونمط تغذية لذيذ وصحي ومرن.

بالإضافة إلى ذلك، كنتُ قد تعلمت خلال السنوات المنصرمة الطبخ، وأحببته، وتفننت فيه، وصرت أحمّل كل أسبوعين تقريبًا تطبيق التيك توك لأتعرف على طبخة جديدة تستحق التجربة والخروج عما اعتدته من وجبات، وصدقوني المكتبة التيكتوكية في الطبخ مذهلة!

لكن أظرف ما صار هو أني استحدثتُ دفترًا جديدًا خاصًا بالتمارين! لا لقياس وزني، أو مختلف المقاييس الجسدية (لم أفعل ذلك في الحقبة الماضية، ولا هذه حتى الآن)، ولكن لتوثيق تقدمي وكتابة ملحوظاتي.

أخصص لكل يوم تدريب صفحةً من صفحات الدفتر، أكتب فيها ما تناولته قبل التمرين، ثم أكتب اسم كل تمرين، والوزن الذي حملته في أدائه، وعدد الجلسات والعدات، وأختم بذكر أي ملاحظة متعلقة بالتعب، أو الدوخة مثلًا، أو النشاط.

ولا تصدقون كيف أفادني هذا الدفتر، سواء من تحسين جوانب التمرين نفسه، واستكشاف البدائل، والتعرف على الطرق الصحيحة، أو ملاحظة وجبة ما قبل التمرين ومعرفة الأنسب لجسدي ونشاطي من بين خياراتها

وهكذا انضم دفتر رابع لإخوانه، وكثرت دفاتري، زادها الله كثرةً وبارك فيها.

قرأتُ

كنت أتابع على الفيس بوك مترجمًا مصريًا شابًا ومجتهدًا اسمه محمد جمال، وهو مهتم بترجمة الكتب المتعلقة بالأساطير، بل والتأليف فيها، وقد اقتنيت كتابًا من ترجمته اسمه “البطل بألف وجه” لجوزيف كامبل، وهي ليست أول ترجمة عربية للكتاب.

لهذا الكتاب تأثير واسع وكبير على الكتّاب الغربيين، إذ عمد فيه المؤلف إلى تتبع مختلف الأساطير العالمية (اليونانية والرومانية منها على الأخص) واستكشاف التشابهات بينها، ثم ابتكار نمط واحد لها جميعًا، وقراءتها من منظور التحليل النفسي.

قرأت أول الكتاب الذي يتحدث فيه عن فكرته، وراقتني لغته وجرأته، لكني توقفت لأنه يشير إلى كثير من حكايات الأساطير التي لا أعرف عنها شيئًا، وتذكرت أن بمكتبتي كتاب كنت قد اشتريته قبل عام تقريبًا من مكتبة للكتاب المستعمل في المدينة المنورة أيام فصل المنهجية لبرنامج الدكتوراة.

وهي نسخة قديمة من جزئين لكتاب “أساطير الحب والجمال عند اليونان” لدرّيني خشبة (صدرت نسخة جديدة في جزء واحد من دار التنوير) يختار فيه المؤلف عددًا من أشهر الأساطير اليونانية، ويعود إلى مصادرها المتعددة، ثم يسردها في شكل قصص قصيرة في غاية العذوبة ومنتهى الجمال، بعد أن كتب مقدمة حول الأساطير اليونانية ونشأتها وما يُمكن تسميته بشجرة أنساب الآلهة.

وقد فُتنت بدريني وأسلوبه ورأيه، رجلٌ ذوّاقة، وشجاع، وينتمي إلى جيل مدهش لم يتكرر، رحمه الله.

هذا ما يتعلق بأحلى ما قرأت من كتب هذا الشهر، أما ما لفتني في عالم المقالات فهي مقالة على النشرة السينمائية من ثمانية، عنوانها “ما تعجز السينما عن مجاراته” من كتابة عبد العزيز خالد، ويتحدث فيها عن تأثير الجوال وتطبيق التيك توك على تجربة مشاهدة الأفلام، إذ صار المشاهد يشطر انتباهه بين الشاشة الكبيرة والصغيرة، معيرًا لكليهما قليلًا من من بقايا انتباهه.

ولا يقتصر هذا التأثير على المتلقي، بل يمتد إلى صانع الفيلم، الذي صار يخترع من الأساليب الإخراجية ما يحوّل فيلمه إلى مجموعة من المقاطع السريعة المتغيرة تُحاكي ما أدمنه الناس على التيك توك.

يقول عبد العزيز: «فأصبح التحدي كيف تتعامل السينما مع مُشاهد لم يعد يحتمل بنيتها الأصلية. لأن السينما فنّ قائم على الزمن، وعلى التراكم، وعلى لحظات تمتد لتُبنى فوقها مشاعر ومعانٍ. وعندما يصبح هذا الزمن عبئًا، ويُعاد تشكيل الفِلم ليواكب انتباهًا متقطِّعًا، يتغيَّر شكل العمل إلى شكل سيئ وساذج وغير طبيعي».

ذكرني هذا بما أحبه في الشعر، فالمدهش فيه ليست تلك الأبيات المختارة، بل ذلك الشعور، وتلك الخيالات، وألوان الصور والتشبيهات التي يأخذك فيها الشاعر من منحنى لآخر حتى يملأك بالإحساس الذي يريده، ويؤثر فيك التأثير الذي يتغياه.

وهذا ما يُميّز الشعر القديم، قد ترى قصيدةً بالكاد تخرج منها ببيت أو بيتين، لكن هي في أعلى مقامات البيان، بينما يختار الشاعر المتوسط أن يُدهش المتلقي ببيت يتفنن فيه من حين لآخر، يصلح لاقتباس، أو لحساب شعري في انستغرام، أو لتزيين صورة على سناب شات.

حتى سور القرآن!

شاهدتُ

عدتُ إلى قناة بلال فضل للتعرف على حلقاته الرمضانية التي لم أشاهدها خلاله، ووجدتُ ثلاث حلقات ضمن سلسلته الممتدة “حكايات لها العجب”، يتحدث فيها عن أكاديمي أزهري اسمه الشيخ بخيت، كتب مقالة تحت تأثير أجواء التغيير ما بعد انقلاب جمال عبد الناصر ورفاقه على النظام الملكي في مصر.

المقالة تتناول حكم صيام رمضان بشيء من الخفة العلمية والجرأة المذمومة على الشرائع، لكن الحكاية العجيبة هي ما تبع ذلك من كتابات وردود، بل وجلسات تحقيق ومحاكمات، يعود فيها بلال إلى الأرشيف الصحفي، ويضعك في سياق الحكاية وتتابعها الزمني، ويدلي برأيه الذي لم يعجبني من حين لآخر.

تدفعك الحكاية إلى تأمل ما يحدث على تويتر؛ شخص يكتب كلامًا قد يبدو عابرًا أو قليل القيمة، ثم تتضخم آثاره بصورة جنونية، وتتدحرج الحكاية من تعليق عابر إلى حملات وردود واستدعاءات وعداوات، وربما إلى محاكمات ومآلات قاسية لا تخطر أصلًا ببال كاتب التغريدة.

من أثير المدونات

أظن لو جمعنا التدوينات التي كتبها المدونات السعوديات خصوصًا والعربيات عمومًا عن الأمومة وتأثيراتها على حياة الأنثى، ومعركتها اليومية خلالها، لخرج كتاب مدهش ويفوق تلك الكتب المترجمة عن الموضوع، أو المكتوبة برطانة أكاديمية مملة، لا تنقل حرارة الموضوع ولا تعبر عن حساسيته.

من تلك التدوينات التي قرأتها مؤخرًا لمدونة اسمها ياسمين عبد العزيز، تقول فيها:

«”يا له من امتياز أن تغرق في مسؤولياتِ حياةٍ صلّيت من أجلها“.

هذه الجملة ظلت عالقةً في ذهني لوقتٍ طويل، تذكرتُ في هذه اللحظة أنني أردتُ طباعتها وربما أفعل اليوم، على أي حال، لا أذكر متى كانت آخر مرةٍ قضيتُ وقتًا بمفردي، تأتي منشورات «انستقرام» لتذكرني دائمًا وبشكل يطوّقني بمشاعر الذنب أن عليّ أن أسعد بكل لحظة مع أطفالي، لأن تلك الأحضان ستختفي، وكلمة ”ماما“ المتلهفة ستصبح فيما بعد متذمّرة، لأن خطواتهم الراكضة إليّ صباحًا ستخفت يومًا بعد يوم، وحينها سأسير أنا لأقرع أبواب غرفهم وأسألهم بعض الوقت! يبدو هذا مرعبًا بعض الشيء وأنا أمسك هاتفي وأتأمل المنشور، ثم يستيقظ طفلان تحت الرابعة في الوقت نفسه، وبينما يودّ أحدهم أن يتناول فطوره حالاً يبكي الآخر طلبًا للرضاعة فيما أنا أجاهد لأفتح عينيّ بعد نومٍ متقطع طوال الليل، هذا الصباح الصاخب جدًا أحتمله معظم الوقت، ولكن -كأغلبية البشر- يرتفع مدّ التوتر أحيانًا ويكون طاغيًا على كل شعور إيجابي آخر، لا أستطيع التفكير بأي شيء جيد حيال كل هذا الضغط المستمر على مدار اليوم، طفلان وما يتبع ذلك من عنايةٍ لا تنتهي، مهمات العمل، الغسيل، طبخ الوجبات حسب النظام الغذائي (نسير وفقًا لحمية جرامات في غاية السخافة)، الرد على رسائل الأهل والأصدقاء والتي قلّت بشكلٍ مريع نظرًا لكوني أستجيب للرسالة بعد أسبوعين على أقلّ تقدير.. صرتُ أغضب كبركانٍ ثائر».

ألقاكم في جردة قادمة.


اكتشاف المزيد من دفاتر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

أضف تعليق