شاهدتُ البارحة بالصدفة مقطعًا للمدرب محمد المسعود في بودكاست “يصير خير”، يتحدث فيه عن شرط الثقة بين المدرب والمشترك، وأثره الكبير على مستوى المتدرب وتطوره، مهما كان مستوى المدرب العلمي والمهاري.
كان هذا الحديث بعد أن سأله مقدم البودكاست عبد الله الحسين “كيف أختار المدرب المناسب لي من بين ١٠ مدربين مثلًا”، وإجابة المسعود كانت تدور حول شرط الثقة، فالمتدرب يُتابع العشرات من صانعي المحتوى التدريبي، لكنه يثق في بعضهم أكثر من بعض، والمدرب المناسب هو أكثر من يثق المتدرب في محتواه ومعرفته، بغض النظر عن كون هذه الثقة مبنية على تقييم صحيح في نفس الأمر أو لا!
وكلامه أكثر جمالًا من اقتباسي، وتضمن العديد من الأفكار التي تدور في خلدي منذ أن بدأت أقرأ في سنتي الجامعية الأولى تراث المسلمين حول آداب طلب العلم ومناهج التعلم، وهي في كثير منها لا تختلف كثيرًا عن طرح المسعود وطرح من يسميهم “كال نيبورت” أصحاب “الممارسة المتعمدة” مثلما سأخبركم في فقرة “قرأت”.
هذا سبب ينضم لأسباب كثيرة تدفعني للإعجاب بمحمد المسعود، أما السبب الأول فهو أني مثله، أكره التحفيز من الآخرين أثناء التدريب.
قرأت
اتصل بي الصديق وراق ليُخبرني أنه أرسل لي كتابين على سبيل الإعارة، وأنهما سيُعجباني حتمًا، أما أولهما فهو كتاب “كن أروع من أن يتجاهلوك” لكال نيبورت، وأما الثاني فسأخبركم به بعد أن أقرأه، وقررت الاستيلاء على الكتابين، فهذه الكتب لا يمكن قراءتها في نسخ مستعارة.
تعرفون تفضيلي الشخصي لكل ما يكتبه ويطرحه كال نيوبورت، وهذا كتاب صدرت ترجمته هذا العام رغم أنه أول ما كتبه نيوبورت بعد حصوله على الدكتوراه، ولذا فبه بعض العيوب التي تلافاها في كتبه اللاحقة.
كان هذا هو أحلى ما قرأت هذا الشهر، يتناول الكتاب أطروحة “الشغف” المهني بالنقد، والتي تقول بأن عليك أن تعمل في مجال سبق لك أن عرفت على نحو واضح بأنك تحبه ولديك شغف واضح تجاهه.
بدلًا من ذلك يبني نيوبورت سبيلًا مختلفًا متعدد الأبعاد لنيل الأعمال التي نحبها جميعًا، مهما كان “الاسم الوظيفي” الذي سيعلق على بطائقنا، وهي الوظائف التي تتميز بكونها إبداعية وتتجاوز حدود المألوف، وذات تأثير واضح على نطاق معين من الناس، ولدينا تحكم كبير في أدائها.
وكعادة نيوبورت، يقدم كوكتيلًا من الأدلة الملموسة باليدين، والتي تتنوع بين الدراسات العلمية، والمقالات، وكتب الأدب والسير الذاتية والفلسفة، بالإضافة إلى بحثه عن تجارب واقعية يتعلم منها، حتى لو كانت عند من يصغرونه بعقدين أو أكثر!
الكتاب ملهم ومفيد على أصعدة كثيرة، لكنه تحدث فيها أصحاب الأداء الواضح، مثل الرياضيين، والموسيقيين، فلتعلم رياضة ما وإتقانها، أو الوصول إلى مستوى احترافي في العزف على آلة موسيقية، لا بد لك من مدرب، وخطة تدريبية واضحة، ونمط معين من التعلم الذي لا يمكنك تحقيقه وحدك في غرفتك.
لكن هذا غير متحقق في المجالات المهنية ذات الطابع المعرفي، مثل الكتابة الأدبية، أو البحث العلمي، ولذا يضع الكتاب خططًا لتفعيل هذه الطرق “الحِرَفيّة” في المجالات المعرفية، ولذا فتحدث عن التعليم بكلام مميز ما أشبهه بكلام العلماء في كتب أدب الطلب!
أما عن أحلى مقالة قرأتها الشهر الماضي فكانت لطاهر الزهراني، حيث كتب تدوينة عن “مطرة“، امرأة من زمن مضى، ذهبت أخلاق ذلك الزمن، ولغته، وبنيته المادية التي لن تعود.
تدوينة مؤثرة ورائعة، تنتمي للمجال الذي يُتقن طاهر الكتابة عنه، حواري جدة القديمة وأهلها، وهي تفتح الشهية للكثير من الأفكار عن جدة، هذه المدينة العجيبة.
كانت التدوينة متاحة حتى وقت قريب للجميع، لكن طاهر في قرار شجاع خصص بعض محتوى مدونته للمشتركين، وضم هذه التدوينة للباقة المدفوعة، وهي تستحق!
شاهدت
أحب الصحافة، وصحافة المجلات على وجه الخصوص، وكان من حظي هذا الشهر أن شاهدت فيلمين عن مجلتين أمريكيتين مختلفتين، أحد هذين الفيلمين كان فيلمًا وثائقيًا مجلة نيويوركر بعد بلوغها ١٠٠ عام منذ إصدارها، ومن إعجابي بالفيلم جددت اشتراكي في النيويوركر الذي كان على وشك أن يُلغى، وكتبت مسودة فكرة لمجلة ثقافية.
يؤرخ الفيلم لمسيرة المجلة منذ انطلاقتها، وتقاليدها الفنية العريقة، وكيف أثرت على المجتمع الأمريكي وما زالت، وكيف كانت رغم “نخبويتها” قادرة على مواكبة مختلف الموضوعات لكن بأسلوبها الفني الخاص، وتناولها العميق.
ومن أجمل ما قدمه الفيلم تلك الدقة التي تبلغ حد الوسوسة في كل الإجراءات، أكثرها طرافة أن المدير الإبداعي احتاج إلى أسابيع حتى استطاع إقناع قادة تحرير المجلة بفكرة إنزال بعض الأرقام سطرًا عن بقيتها، في حركة تصميمية تُميز المجلة.
قدمت
تشرفت بدعوة من فريق “مسودة” لتقديم محاضرة في مقهى من مقاهي جدة، وهو مجتمع متخصص في قضايا الكتابة، يستضيف من حين لآخر أصحاب التجارب في موضوعاتها.
كنت قد قدمت في مجتمع “نبرة” بنديم أمسية بعنوان “نشرة لا مفرّ منها” عن بناء عادة الكتابة كل يوم، فأعدت تقديمها في مسودة، وأسعدني حضور عدد لم أتوقعه، وتفاعلهم مع الطرح، خاصة أن بعضهم كان من أصحاب التجارب المميزة في الكتابة.
من أثير المدونات
بعد أمسية “نشرة لا مفرّ منها” قضيت ساعة وأكثر مع الصديق سليم للحديث عن المدونين والمدونات، وأخبرني أنه صار يبحث عن مدونين ما قبل ٢٠٢٢م، إذ الغالب على بعد هذا التاريخ الكتابة الاصطناعية.
واقترح علي مدونة مدهشة، سواء في زخمها الكتابي، أو أسلوبها الفريد، أو تنوع الموضوعات، وهي مدونة “مترين في متر” للعنود الزهراني. كتابة ممتعة، ثريّة، ملهمة.
ألقاكم في جردة قادمة
اكتشاف المزيد من دفاتر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
