صادقٌ ومخموم

من أجمل ما قرأت في سنواتي الجامعية الأولى كتاب «جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم» للإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله. والكتاب شرحٌ للأربعين النووية، التي تضم اثنين وأربعين حديثًا، ثم ألحق بها ابن رجب ثمانية أحاديث أخرى، فصار مجموعها خمسين حديثًا، وبنى عليها هذا السفر البديع.

كان حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((أوتيت جوامع الكلم)) حاضرًا في ذهني منذ وقت مبكر، وجوامع الكلم هي الألفاظ القليلة التي تتسع لمعانٍ عظيمة، حتى يغدو الحديث الواحد أصلًا تُستنبط منه أبواب من العلم والهداية، ومن هنا لم يكن غريبًا أن يمتد شرح خمسين حديثًا موجزة إلى مئات الصفحات المضغوطة، دون أن يشعر القارئ بشيء من التكرار أو الاستطراد؛ فكل جملة تفتح آفاقًا جديدة من المعاني والتأملات.

وأتذكر أنني في أثناء تسجيل المواد الجامعية وإجراءات الحذف والإضافة يدويًا، كنت أرى طلابًا من قسم آخر يدرسون مقررًا يحمل اسم «جوامع الكلم»، حيث خُصص فصلٌ دراسي كامل للتعمق في هذه الأحاديث النبوية، وكنت أغبط طلاب ذلك القسم؛ إذ تمنيت لو حظيت بمثل هذه الرحلة العلمية، أقضي فصلًا كاملًا أتأمل هذه الكلمات النبوية الجامعة، وأذاكر المتخصصين فيما تنطوي عليها من المعاني.

كان «رياض الصالحين» رفيقي في سنوات الطفولة والمراهقة حين كنت أقرأ منه قبل أن أنام، وهو الكتاب الذي اختار فيه الإمام النووي نخبةً من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم عن السلوك والعبادة والأخلاق، وكان إمام مسجدنا يشرح منه بين حين وآخر، فتعرفت من خلاله إلى كثير من أحاديث جوامع الكلم.

غير أن القراءة والاستماع يفتحان بابًا، وتفتح المدارسة بابًا آخر؛ ففي الأولى يتلقى المرء المعنى، وفي الثانية يشاركه بناءه، ويختبره بالسؤال والحوار، ويكتشف من وجوهه ما قد لا يخطر له وهو يقرأ وحده، ولهذا كنت أغبط طلاب ذلك القسم الذي يدرسون مقررًا كاملًا في جوامع الكلم، ويقضون فصلًا دراسيًا كاملًا مع هذه الأحاديث النبوية الجامعة.

ومن أمتع ما يفعله الإنسان أن يقف طويلًا عند كلمةٍ واحدة من كلام العظماء، يقلبها في ذهنه، ويختبرها في حياته، ثم يعود إليها بعد حين فيجد فيها معنى جديدًا لم يكن قد رآه من قبل. ولعل جانبًا كبيرًا من تاريخ الفلسفة لم يكن سوى هذا اللون من التأمل؛ قراءة العبارات المؤسسة، واستخراج ما تنطوي عليه من أسئلة، وحكم، ورؤى، حتى يغدو اللفظ القليل عالمًا واسعًا من المعاني، فإذا كان هذا شأن كلام الحكماء، فكيف بكلام من أوتي جوامع الكلم؟

كنت أفكر في كل ذلك وأنا أستمع في دهشة إلى خطيب الجمعة بالأمس، حين خطب مرتجلًا على غير عادته، متأملًا في حديث للنبي عليه الصلاة والسلام، حين سُئل صلى الله عليه وسلم: أيُّ الناس أفضل؟ فقال: ((كلُّ مخمومِ القلب صدوقِ اللسان)). قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخمومُ القلب؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ((هو التقيّ النقيّ، لا إثم فيه ولا بَغْي، ولا غِلّ ولا حسد)).

ولست أريد أن أمضي في شرح هذا الحديث؛ فالمقصود من هذه التدوينة شيء آخر، إذ ظل الحديث يرافقني بقية اليوم، وأخذت أستعيده كما يستعيد المرء مشهدًا علق في ذاكرته. شدتني طبيعته الحوارية منذ بدايته؛ سؤال عن أفضل الناس، ثم جواب، ثم سؤال جديد ولد من كلمة واحدة. وفي هذا التسلسل شيء يلفت النظر إلى الطريقة التي كان الصحابة يتلقون بها كلام النبي صلى الله عليه وسلم.

وأول ما استوقفني هو السؤال نفسه: أيُّ الناس أفضل؟ سؤال يتكرر في كل عصر، لأن الإنسان بطبعه يبحث عن المقياس الذي يزن به الناس، ويعرف به مواضع الفضل بينهم، والصورة التي يتطلع إليها. وما إن تسمعه حتى تجد نفسك، من غير قصد، تقارن بين الجواب النبوي وبين المقاييس التي نتدوالها اليوم؛ مقاييس الشهرة، والإنجاز، والثراء، والحضور، والتأثير، وسواها.

وكلما تأملت هذا المشهد ازددت إعجابًا بسؤال الصحابة عن لفظة «مخموم»، فقد كانوا أهل اللسان وأصحاب الفصاحة، ومع ذلك لم يتعاملوا مع الكلمة بوصفها مألوفة بالقدر الذي يغني عن السؤال، ولم يكتفوا بتخمين معناها من السياق. الكلمات لا تُتجاوز استعجالًا، واللفظة الدقيقة تستحق أن يُتوقف عندها حتى تستقر في موضعها، لأن المعنى الكبير قد يختبئ في كلمة واحدة.

والصفات التي يذكرها النبي صلى الله عليه وسلم تبدو للوهلة الأولى متفرقة، ثم سرعان ما انتبهت من شرح الخطيب لانتظامها حول القلب، فيغدو القلب الموضع الذي تتشكل فيه التقوى، وتصفو فيه النية، وتسكن فيه سلامة الصدر، ومنه تنبع الأخلاق قبل أن تظهر على اللسان أو في السلوك.

وعند هذه النقطة عاد إلى ذهني قوله صلى الله عليه وسلم ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب))، ثم تذكرت قوله صلى الله عليه وسلم: ٧، ولم يحضرا في ذهني على هيئة شواهد أضم بعضها إلى بعض، وإنما حضرا بالطريقة التي تتداعى بها المعاني؛ فكل واحد منهما يضيء جانبًا من الصورة نفسها، حتى تتكون أمام القارئ شبكة من الأحاديث يفسر بعضها بعضًا، ويكشف بعضها عن بعض.

وربما كان هذا أحد أسرار جوامع الكلم؛ فالحديث الواحد يفتح بابًا يقود إلى حديث آخر، ثم يعود القارئ إلى الأول وقد صار يراه بعين مختلفة. الكلمات قليلة، لكنها تنشئ عالمًا كاملًا من المعاني، وتبقى قادرة على مرافقة صاحبها سنوات طويلة؛ إذ يكبر القارئ، وتتبدل خبراته، ويظل الحديث يحتفظ بقدرته على أن يمنحه تأملًا جديدًا في كل مرة يعود إليه.

وما أجمل الخطب التي تعيد الناس إلى هذا اللون من التأمل في كلام النبي صلى الله عليه وسلم، تقف طويلًا عند حديث واحد، وتمنح السامعين فرصة أن يغادروا المسجد وهم يحملون سؤالًا، أو معنى، أو كلمةً تظل ترافقهم بقية يومهم، وربما بقية أعمارهم.


اكتشاف المزيد من دفاتر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

أضف تعليق