خط الجنوب

لي صاحبٍ دار الغرام أبرقَ الريش

وأنا جنوبي شيب راسي وعيني

يبوي تكفى كيف بالله باعيش

والفين كيلو بين خلّي وبيني

والفين نقطة والف مركز وتفتيش

والشوق حمله والبلاغ الونيني

– يحيى الأحمري

كان رجل الأمن يقلّب ناظريه بين بطاقة أحوالي ووجهي، وأنا أقف في نقطة تفتيش عند مدخل النماص، في تلك الأيام الغريبة من عام ٢٠٢٠م أيام جائحة كورونا.

ما إن صدر قرار إلغاء الحظر الكلي والبدء بتطبيق الحظر الجزئي، حتى قررت أنا وزوجتي التوجه إلى الجنوب، هربًا من ضيق شقتنا في جدة. كان المفترض أن نستيقظ باكرًا، ونغادر الشقة مع بدء رفع الحظر في التاسعة صباحًا، لنصل إلى النماص ونبيت فيها قبل أن تبدأ ساعات الحظر من جديد في الخامسة مساءً.

هذا ما كان ينبغي أن يحدث، لكن من كان يضبط ساعات نومه في تلك الأيام الغريبة التي تشبه أفلام الزومبي ونهاية العالم؟

استيقظنا متأخرين، متأخرين جدًا، لكن رغبتنا في الخروج من أسر الشقة تغلبت على مخاوفي من الغرامة المالية التي قد أتكبدها إن لم أصل إلى الفندق الوحيد المتاح للحجز في النماص آنذاك قبل بدء ساعات الحظر، فتوكلنا على الله وانطلقنا.

وقبل أن أصل إلى بني عمرو، كانت ساعات الحظر قد بدأت، وبدأت نقاط التفتيش عملها. كنت أستجمع عند كل نقطة ما أعرفه من الأدعية والأذكار، وأستعين بما يحضرني من دعوات لا أشك في بدعيتها، لكن ما الحيلة وغرامة المخالفة عشرة آلاف ريال؟!

أشرح للعسكري في كل نقطة أنني لا أريد التجول بلا مسؤولية، ولا أخرج للسياحة بلا مبالاة في وقت المنع، وإنما أريد إيصال زوجتي إلى أهلها في خميس مشيط، وقد حجزت غرفة في فندق قريب سأمكث فيه حتى يُرفع الحظر الجزئي صباح اليوم التالي. فيتسامح معي العسكري ويقول: “بمشيك، لكن اللي بعدي ما أضمنه”. فأمضي إلى النقطة التالية، وأعيد الحكاية من أولها، حتى إذا لم يبقَ بيني وبين الفندق سوى دقيقة واحدة، أوقفتني نقطة تفتيش أخرى، وصوّر رجل الأمن لوحة سيارتي!

اقترب مني، وكنت أرتدي الكمامة، فطلب بطاقة هويتي. قلّبها قليلًا، ثم رفع نظره إليّ وقال: “إيش عندك يا غامدي؟!”. كان محل إصدار الهوية مدينة جدة، واسم القبيلة يوحي بأنه كان ينبغي أن أتوقف منذ وقت طويل في مدينة الباحة. شرحت له قصتي وأشرت إلى الفندق الذي أنوي الإقامة فيه، وكان أمام ناظرينا، فسألني عن الاسم الدقيق لقبيلة أرحامي، كأنه يختبر صدق روايتي، فلما أخبرته سمح لي بالعبور، لكنه أوضح أن قرار فرض الغرامة من عدمه يعود إلى الضابط لا إليه، ثم أضاف أنه كان ينبغي لي أن أسلك طريق الساحل توفيرًا للوقت.

شكرته، ثم ضحكت في نفسي، كيف أشرح له أنني لا أبحث عن أقصر الطرق، ولا عن أسرعها، وإنما يشدّني غرامٌ بـ(خط الجنوب/طريق السراة/الطريق السياحي)، وكيف أفوّت فرصة السفر فيه بعدما ظل خاليًا لأشهر، ترعى في جنباته البهم، وتنبت أشجار العرعر على أطرافه؟ أأستبدل بهذا الطريق الذي اشتقت إليه طريقًا آخر لمجرد أنه أقصر وأسرع؟!

لم يكن يفهم بالطبع أنه بالنسبة لي هذا الطريق هو الرحلة!

جنوبٌ، وما ببوصلتي جهاتٌ

فكلٌّ فوقَ خارطتي جنوبُ

– أحمد المنعي

الجنوب اسم حديث غير رسمي لتلك المدن الواقعة في جنوب المملكة، فمن الناحية الرسمية تنتمي هذه المدن إلى أربعة مناطق إدارية مختلفة، أما من الناحية التسمية القديمة فهي تفترق إلى كثير من الأسماء، مثل تهامة، والحجاز، وغيرهما. لكن هوية حديثة ما، تشكلت لتعبر عن مزيج من أهالي هذه المدن، وصار اسمهم الجنوبيين، وأظن، والظن أكذب الحديث، أن خط الجنوب نفسه كان واحدًا من أسباب تشكل هذه الهوية!

يُمكن للراغب أن يصل إلى الجنوب عبر طرق مختلفة ومتعددة، مثل طريق الساحل الذي يمتد من جدة إلى جازان، وطريق الرين الذي يبدأ من الخرج وينتهي عند بيشة، أما الطريق الذي أفضله والذي له عدد من الأسماء، وهو ما يشي بعظمة المسمى، فهو خط الجنوب، طريق السراة، الطريق السياحي، والذي يبدأ من الطائف، ويستمر حتى حدود أبها.

أتعامل مع الطريق من جدة إلى الطائف بوصفه استهلالًا لا بد منه لكتاب حافل، أو مقدمة موسيقية طويلة تسبق أغنيات المطربين القدامى، وتُهيّئ السامع لجليل الغناء الآتي بعدها. لذا أكتفي خلال هذه المرحلة بتجريب وضعيات قدمي على دوّاسة البنزين، واستكشاف السرعة التي تلائم مزاجي، وتناول ما تيسّر من المفرّحات، التي أؤجلها أحيانًا حتى نتجاوز الطائف ونشرع في خط الجنوب. هناك فقط أشتري أول كوب قهوة في الرحلة.

يأخذك الطريق في جبال السراة رويدًا رويدًا، عابرًا عشرات القرى المتناثرة على جانبيه، لكل واحدة منها اسم يستدعي السؤال عن سر تسميتها، وعن القبيلة التي تسكنها، وعن الحياة التي تدور فيها طوال العام.

ونادرًا ما تجد نفسك سائرًا في خط مستقيم؛ فالمنعطفات تتوالى، وتصرف عنك رتابة السفر، وتمنح عينيك فرصة متجددة لاكتشاف المشهد من زاوية أخرى. ترى سفوح الجبال وقد اكتست بالخضرة إثر أمطار الصيف، فيما يتسلل الضباب من جهة تهامة عن يمينك، متصاعدًا بين الجبال في مشهد يشبه البخور حين يتصاعد دخانه من المباخر الملكية. يخيل إليك أن الطريق يستقبلك على طريقته، فيبسط أمامك بساط الخضرة، ويطيّب مجلسك بالضباب، وإذا أسعفك الحظ، وأنزلت نافذة السيارة في الوقت المناسب، حمل إليك الهواء أريج العرعر المنتشر على امتداد الطريق، بأشجاره العتيقة التي جاورتها أشجار أحدث عهدًا، حتى غدت كأنها تيجان خضراء تكلل الجبال، وتحرس دروب المسافرين منذ زمن بعيد.

وقد يفاجئك المطر في الطريق، فيبدأ رذاذًا خفيفًا على الزجاج، ثم لا يلبث أن يشتد قليلًا، كأنه من شيبان الجنوب الذين اعتادوا على المبادرة في الترحيب بضيوفهم وانتظارهم خارج الدور. تفتح له النافذة قليلًا، وتترك للهواء البارد أن يتسلل إلى السيارة، وتراقب قطراته وهي تتسابق على الزجاج، فيما تتبدل ملامح الجبال من حولك تحت غلالة الماء والضباب. وكلما هطل المطر ازددت اطمئنانًا إلى أنك مقبل على أيام جميلة في الجنوب؛ فهذه التباشير الأولى التي تستقبلك قبل الوصول، كأنها وعدٌ بليالٍ باردة وصباحات ندية.

قال ابومتعب الله لايسامحك يا خط الجنوب

كلها جرعة أو ثنتين حتى يروون العطاشي

وانت عطشان ما تروى على ما شربت من الدما

يقولون إن نهر النيل في كل عام له ضحيه

وضحاياك يا نهر الشقا والعنا عدة ألوف

ومقاتيلك أكثر من ضحايا الحروب ومن الكوارث

أسرة تختطفها وأسرة شملها يتبعثرا

كم غلام يقول أحرمتني من مناي ومن شبابي

ويتيم يقولك يا طريق الجنوب أيتمتني

الدموع الذي في العين فجرت منها ماتحجر

وسفكت الدما وأحرمت الأكباد في لذاتها

– عبد الواحد الزهراني

لم يكن الطريق في سالف أيامه بهذه الألفة والأمان؛ فقد كان خط الجنوب مغامرة محفوفة بالمخاطر، يمتد في  مسار واحد تتقابل فيه السيارات القادمة والذاهبة، وتضيق فيه فرص التجاوز، حتى تصبح كل محاولة مقامرة قد تنتهي بالموت. وكانت الحوادث تتكرر حتى غدا خبر الموت على الطريق حكاية أسبوعية تتناقلها المجالس، إلى أن ضاق الناس بهذا الحال، وعبّر شاعر العرضة عبد الواحد الزهراني عن وجعهم بالأبيات السالفة من فن الشقر، وسرعان ما انتشرت بين الناس انتشار النار في الهشيم. وأذكر كيف تناقلها الناس وتفاعلوا معها، حتى غدت شعارًا لمطلبهم، ثم بدأت الحكومة مشروعًا واسعًا لتطوير الطريق، وتواصل العمل فيه لسنوات، إلى أن صار مزدوجًا على امتداده، تفصل بين مساريه حواجز أمان، ويستطيع المسافر اليوم أن يقطعه مطمئنًا، مستمتعًا بالمناظر التي كانت قديمًا تختلط بجمالها مخاوف الطريق ومفاجآته.

هذه واحدة من القصص التي تخيلت أن تتسع لها صفحات مجلة أسميها «خط الجنوب»، وهي فكرة كنت أحدث بها صديقًا لي فشكك في جدواها، وتساءل عن مقدار ما يمكن أن تقدمه مجلة مخصصة لطريق واحد. بدأت الحكاية قبل أكثر من عام حين صادفت في حساب مجلة «طريق تكساس» على إنستغرام لوحة فنية لسيارة بيك آب حمراء تسير في الطريق. استوقفتني اللوحة؛ فقد كانت تصور السيارة التي نسميها «البهبهاني» وهي تسير في طريق تكساس، وهي من السيارات التي طالما رأيتها على خط الجنوب، حتى إن عمي صالحًا رحمه الله كان يقتني واحدة منها، وكثيرًا ما عبر بها الطريق. بدت اللوحة كأنها انتزعت من ذكرى قديمة، أو رسمت مشهدًا أعرفه جيدًا، فدفعتني إلى تصفح الحساب، ثم الانتقال منه إلى الموقع.

كانت المفاجأة أن الموقع مجلة ثقافية وسياحية كاملة، موضوعها طريق تكساس وحده! ينشر الموقع مقالات عن الطريق وما يحيط به من أماكن وحكايات، ويصدر مجلة شهرية، إلى جانب سبع نشرات بريدية، لكل واحدة منها شخصيتها واهتماماتها: نشرة للأحداث والفعاليات، وأخرى للأماكن والمناظر الطبيعية، وثالثة يوصي فيها فريق التحرير بمقالات وأفلامًا وأماكن ومشتريات تتعلق بالطريق، ورابعة للمقالات السردية المطولة المرتبطة بالطريق، وخامسة للمطاعم الواقعة على امتداده، وسادسة للطيور المهاجرة التي تمر به، وأخيرة تكشف كواليس إعداد المجلة وحواشي أعدادها. سبع نشرات، ومجلة شهرية، وموقع كامل، وكل ذلك من أجل طريق واحد! عندها لم يعد السؤال عن إمكان الكتابة عن خط الجنوب، بل عن مقدار ما فاتنا من حكاياته، وكم من التفاصيل التي نعبر بجوارها كل يوم من غير أن ننتبه إليها، مع أنها قد تكون مادة لمجلة كاملة.

كلما فكرت في الموضوعات التي يمكن أن تتسع لها مجلة «خط الجنوب»، اتسعت أمامي الجبال والأودية والقرى والبلدات، وبدأت الأسماء تستدعي حكاياتها، وبدأت الحكايات تستدعي أسئلة أخرى. ما أصل اسم هذه القرية؟ ولماذا سُمّي ذلك الجبل بهذا الاسم؟ وأي الحكايات والأساطير نسجها الناس حول كهف منعزل أو بئر قديمة أو شجرة معمّرة؟ ماذا عن الغابات والقلت والسدود والآبار، وعن أشجار العرعر والنباتات والمزارع؟ وعن الجمال والأغنام والحمير التي تعبر الطريق، والثعابين والعقارب والحشرات التي تعيش في شقوق الصخور وبين الأعشاب؟ ثم كيف يتبدل كل هذا مع الفصول؛ كيف يبدو المكان حين يكسوه الضباب، وكيف تتعطر الأرض بعد المطر، وأين تختبئ الطيور، ومتى تزهر النباتات؟

وعلى جانبي الطريق حياة كاملة لا تقل حكاياتها عن حكايات الجبال؛ أكشاك العسل التي ينتظر أصحابها عابري السبيل، وباعة الأكلات الشعبية الذين يحملون معهم نكهات القرى، والمطاعم القديمة ومحطات الوقود والاستراحات، والزحاليق والمراجيح التي تتوسط المنتزهات الصغيرة الغريبة التي لا يعرفها إلا من يسير في خط الجنوب. ثمة مساجد قديمة شهدت تعاقب الأجيال، ومستشفيات ومراكز صحية لها قصصها، ودوريات أمن طرق يعرف رجالها من أحوال المسافرين ما لا تعرفه الخرائط. وثمة أيضًا حكايات أكثر قسوة عن حوادث خط الجنوب، وجرائم لا تزال تفاصيلها تتناقلها المجالس، ومهاجرون غادروا قراهم طلبًا لحياة أخرى، وآخرون عادوا إليها بعد غياب طويل. وبين هؤلاء جميعًا مسافرون ساقهم الشوق إلى أحبابهم، فصار الطريق جزءًا من حكايات الحب والفراق واللقاء، وصارت نقاط التفتيش التي تعترضه محفوظة في قصائد كما في أول هذه التدوينة.

ثم هناك البشر الذين يمكن أن نكتب تاريخ الجنوب من خلالهم؛ العلماء الذين جلسوا للتدريس في المساجد، والأدباء الذين حملوا حكايات قراهم إلى قصائدهم ورواياتهم، والمسؤولون الذين شهدوا تحولات المنطقة، ورواد الأعمال الذين بدأت حكاياتهم من عبور ذلك الطريق، والعمال الذين شقوا الطرق وحفروا الأنفاق وأقاموا الجسور، والمكافحون الذين عاشوا أعمارهم في مهن قد لا يلتفت إليهم أحد وهم يمارسونها. ويمكن أن نفتش في مكتباتهم الشخصية، ونقلب المخطوطات والوثائق والرسائل والصور القديمة، ونستمع إلى حكايات الكتب التي انتقلت من جيل إلى جيل، وإلى سيرة مكتبة جمعها صاحبها طوال عمره ثم تركها في غرفة لا يدخلها أحد. ولعلنا نعثر في هذه الرحلات على أساطير محلية تناقلتها الأجيال، أو حكايات عن أماكن مسكونة في المخيلة الشعبية، أو قصص عن كنوز مدفونة وأصوات غامضة ووقائع عجز الرواة عن تفسيرها.

وكل ذلك قبل أن نكتب عن الطريق نفسه؛ عن أجزائه ومنعطفاته وتاريخه، وعن حوادثه التي غيّرت مساره، وعن زمن كان فيه السفر مغامرة محفوفة بالمخاطر، وعن التحولات التي جعلت عبوره اليوم أكثر أمانًا. ويمكن أن نكتب عن المطر الذي يوقف المسافرين على جانب الطريق لالتقاط الصور، وعن الضباب الذي يحجب قرية كاملة ثم يكشفها فجأة، وعن المطاعم التي صارت علامات يهتدي بها العابرون، وعن المحطات التي حفظت وجوه المسافرين وسمعت من أحاديثهم، ومسجلات سياراتهم، ما يكفي لكتابة تاريخ اجتماعي كامل.

قد لا تتحق مجلة «خط الجنوب» في يوم من الأيام، وقد تبقى فكرة أستدعيها كلما سلكت الطريق، لكنني كلما تأملت ما يختبئ على جانبيه ازددت يقينًا بأن بعض الطرق أوسع من أن تختصرها وجهة، وأغنى من أن تنفد حكاياتها، وأنها تُجسّد الحكمة الأثيرة بأن الرحلة هي الغاية، أما الوجهة فتحصيل حاصل.


اكتشاف المزيد من دفاتر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقًا