في مدونة سابقة لي، كنت أشارك القراء بنص أقتبسه كل شهر من قراءاتي، يكون متوسط الطول، ومؤثر في أسلوبه أو موضوعه، وأحب أن أجدد هذه العادة في مدونتي هذه، في قسم جديد سميته: الكرّاسة.
أشارككم هذا الشهر هذا لاقتباس لعبد الوهاب المسيري رحمه الله، من كتابه “رحلتي الفكرية: في البذور والجذور والثمر، سيرة غير ذاتية غير موضوعية”، يتحدث فيها عن الحدث الأخير الذي هز قناعاته المادية، وأعاده إلى رحاب الإيمان.
وهذا الكتاب من أكثر الكتب التي دفعتني إلى الجرأة في التفكير، والنقد، وتطوير الرؤى الخاصة والمركبة.
وهذا الموضع من الكتاب شجي ومطرب.
يقول عبد الوهاب المسيري رحمه الله:
ولكن التشققات زادت والتناقضات احتدمت بمرور الأيام، حتى وصلت إلى نقطة تحول فيها التناقض إلى تطاحن. وقد حدثت الهزة القوية الثانية حينما رزقني الله ابنتي نور. كانت لحظة ولادتها لحظة فارقة في حياتي، إذ وجدت نفسي أنا العقلاني المادي وجهًا لوجه مع معجزة جعلتني أغرق في التأمل؛ طفلة تولد وبعد ولادتها بلحظات تنظر بعينيها الواسعتين حولها، ثم ترتبط بأمها على الفور بطريقة لا أفهم كنهها ؛ أمها – زميلتي في الجامعة والتي كنت أذهب معها إلى السينما والرحلات مع «شلتنا» أو بمفردنا – تتحول بين يوم وليلة إلى أم تطعم الصغيرة بثديها وترتبط بابنتها ارتباطًا جنونيّا لم أر مثله. وتبدأ تتحدث بلغة جديدة تمامًا عليّ؛ زميلتي وزوجتي أصبحت أمّا ودخلت عالمًا جديدًا أقف أنا على أطرافه دهشًا. في بداية الأمر أصبت بالغثيان، وأحسست بالهجران؛ كيف يمكن لزميلة الدراسة أن تتحول بهذا الشكل وتتركني وحيدًا؟
وتدريجيّا تجاوزت هذا الإحساس، وبدأت أتأمل في هذا الكائن الجديد الذي دخل حياتي: هل يمكن أن يكون كل هذا نتيجة تفاعلات كيمياوية وإنزيمات وغدد وعضلات؟ هل هذا الكل الإنساني هو جماع أعضائه المادية وثمرة المصادفة، أو أن هناك شيئًا ما يجاوز السطح المادي؟ هل الإنسان فعلاً جزء من الطبيعة، لا يفصله فاصل عنها، خاضع لقوانينها وأهوائها (كما يقول المنهج المادي الصارم)، أو أن فيه أسرارًا وأغوارًا؟ وفوجئت بأنني، برغم شكوكي الفلسفية وتصوراتي المادية، أكتب قصيدة تحاول استكناه هذا الحدث من خلال صور شعرية دينية، إذ إن الصور المادية لم تعد كافية، فقد أصبحت ظاهرة الإنسان بالنسبة لي ظاهرة غير مادية غير طبيعية ؛ معجزة بكل المعايير المعروفة لدي. وهكذا ظهر الإنسان الإنسان، (أو الإنسان الرباني فيما بعد)!
«وبينما محمد في غاره حزين
يالجة الضياء قد أرجفت قلبه
وبينما دماؤه تبلل الصليب
أقبلت بالعزاء للمسيح فانتصر
في الغابة الندية اللجيري قاعد
فطار كي يعانق الشموس والقمر
يا إصبع الإله قد أقلقت مضجعي
أولدتها حواء ثم مريما».
وتوالت الأحداث التي كان من الصعب استيعابها داخل النموذج المادي المهيمن. ثمة ليلة في حياتي لن أنساها أبدًا أسميها «ليلة بكاء الطفلة»، إذ استيقظت نور ابنتنا وهي لم تكمل عامين بعد وأخذت تبكي بصوت عال دونما سبب واضح. كان لبكائها تلك الليلة رنين خاص لم ندر كنهه: مزيج من الفزع والحزن. حملتها أمها على كتفها وحاولت أن تهدئ من روعها. فسكتت، ولكن كنت كلما اقتربت منها أجدها تصرخ بأعلى صوتها، فكان عليّ أن أختفي عن ناظريها وظلت أمها معها إلى أن نامت. لا ندري حتى الآن سر بكاء الطفلة، ولكني أذكر هذه القصة لندرك ما في داخلنا من أسرار ومدى احتياجنا للأم، إذ كيف يمكن للموظف «المختص» مهما بلغ من تخصص أن يفهم لغة الطفل ويدرك منحناه الخاص، أفراحه وأحزانه؟
وبعد أن أنجبنا نور، فوجئت بأن زوجتي قررت ألا تستمر في دراستها العليا (برغم اتفاقنا على ذلك من قبل) وأخبرتني بأنها لا تريد أن تحرم ابنتها من حق الاستيقاظ ومن حق ممارسة كل وظائفها البيولوجية بما يتفق مع إيقاعاتها الجسدية ويريحها عصبيّا. فزعت من نفسي ساعتها لأنني لم أفكر في هذا، ولم أفكر إلا في الإنجاز (المادي) والأداء في رقعة الحياة العامة ومساواة الرجل والمرأة ونسيت الطفلة وحقوقها تمامًا. وفزعي من نفسي هذا جعل المزيد من الاقتناعات والمقولات والنماذج التفسيرية، التي تتحكم في عقلي ووجداني، تهتز وأعيد النظر فيها.
اكتشاف المزيد من دفاتر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
