كان شهرًا صعبًا.
الحمد لله، أنا في خير ونِعَم وافرة، لكن عوامل متعددة تضافرت لتجرفني إلى منحدرات المزاج السيئ، والرغبة في فعل اللاشيء، واستثارة اللاوعي، ونكش الذاكرة العميقة. تلك الحالة التي يصبح فيها المرء ثقيلًا على نفسه، وتبدو الأشياء المعتادة كأنها تحتاج إلى مفاوضات طويلة قبل الشروع فيها، ويغدو الانتقال من مقعد إلى آخر إنجازًا يستحق الإشادة.
حين أمرّ بمثل هذه المنحدرات، ألجأ إلى أمرين.
الأول: تأجيل كل ما يمكن تأجيله، والتخفف من كثير من الأعمال التي يمكن تحمّل كلفة التخفف منها، وتسيير الحياة بأقل قدر ممكن من المسؤوليات التي لا مفرّ منها. أحاول أن أضيّق مساحة المطالب اليومية، وأترك بعض الملفات مغلقة، وأؤجل الردود، وأتعامل مع جدول الأعمال بشيء من التسامح الذي لا أمنحه له عادة حتى تمرّ الغيمة.
الثاني: استكشاف اهتمام منسي، سواء كان محلات، أو مدنًا، أو فيديوهات، أو وجبات، أو هوايات، أو غير ذلك. أفتش في الذاكرة عن شيء قديم تركته في أحد أركانها، أو أجرّب شيئًا لم يسبق لي الالتفات إليه. أحب هذه الرحلات الصغيرة، فهي تفتح نافذة في غرفة طال إغلاقها، وربما قادتني إلى شيء لم أكن أعرف أنني أفتقده.
وقد مضيت في الأمر الأول إلى حدوده شبه القصوى، أما الثاني فقد وجدت ضالتي في الكتاب الوحيد الذي استطعت إنجازه هذا الشهر: “التلاوة المصرية: قصة التوهج ومسارات الانطفاء” للكاتب هيثم أبو زيد، وقد كتبت عنه مراجعة ستُنشر الأسبوع القادم بإذن الله على موقع نديم.
يقدم الكتاب مجموعة واسعة من الإضاءات الفنية على تلاوات جيل الريادة المصرية، ويتوقف عند عدد من أعلامه، من محمد رفعت وعبد الفتاح الشعشاعي، إلى طه الفشني وكامل يوسف البهتيمي، وعبد الباسط عبد الصمد، ومحمود علي البنا، ومحمود خليل الحصري، ومحمود عبد الحكم، ومحمد صديق المنشاوي، وغيرهم من ذلك النفر الذين جعلوا من التلاوة المصرية مدرسة فنية ذات ملامح مميزة، رحمهم الله جميعًا.
أخذت أتتبع الإحالات والاقتراحات الواردة في الكتاب، وأترك لنفسي فسحة الاستمتاع بجمال تلاوات لم أعتد سماعها، وقد كانت هذه فرصة مواتية للخروج قليلًا من دائرة الأصوات التي ألفتها، والتنقل بين تسجيلات قديمة، بعضها يعود إلى زمن الأسطوانات والإذاعات، وبعضها محفوظ في تسجيلات لا تكاد تسلم من خشخشة الشريط، أو ضجيج الحاضرين، أو بُعد الميكروفون، وكان ذلك كله جزءًا من المتعة، فقد شعرت بأني أنقّب في خزانة صوتية قديمة.
أميل عادةً إلى أصحاب التلاوات التي يصحبها خشوع، ولا يتوسع صاحبها في التفنن المقامي على حساب جلال التلاوة، مع ما تمتاز به من دفء الصوت وطمأنينته، مثل تلاوات المنشاوي، والحذيفي، وعبد الله خياط، ومحمود عبد الحكم.
وإذا خرجت عن هذه الدائرة آثرت التلاوات الحجازية، كما عند محمد أيوب، وزكي داغستاني، وعلي جابر، رحمهم الله جميعًا. فللتلاوة الحجازية نسيج عجيب، يلتف حول القلب بخيوط من بهجة الأعياد، ويمرّ على الروح بشجن رقيق، كأنما يجمع في نبراته فرح العابد بلقاء ربه، وحزن المؤمن من تقصيره ورجائه. وما إن تنساب في أذني حتى ينشرح خاطري، وتنتشي روحي، وتُفتح في داخلي نوافذ على الحجاز، فأشمّ عبق المستكة وماء الورد والنعناع، وأسمع هديل حمام الحرم يتردد بين أروقته وساحاته، وأسترجع لذة السهر في صحن المطاف ورواقه في ليالي السهر المكية، وأرتشف ماء زمزم كأنما أطفئ به ظمأً أعمق من ظمأ الجسد. ثم تمضي بي النغمات إلى المدينة، إلى سكينة الروضة، وإلى تلك الجلسات التي يطول فيها المقام بالحصوات.
وهكذا استدرجني الكتاب إلى الخروج من مألوف اختياراتي، ومصاحبة أصوات لم أكن أقف عندها طويلًا، فانتقيت تلاوات للشعشاعي، ومصطفى إسماعيل، والفشني، والبهتيمي، والبنّا، وتركت أذني تتنقل بين طرائقهم المتباينة في الأداء، فهذا يطوّع طبقاته الصوتية في مشهد يكاد يكون استعراضًا للقدرة، وذاك ينسج من المقامات انتقالات آسرة، وثالث يلتقط من الآية موضعًا فيمدّه ويعود إليه، كأنما يحاور معانيها بطبقات صوته. وقد أدهشني ما في هذه التلاوات من ثراء وتنوع، ومن جماليات لا تنكشف إلا لمن يمنحها وقتًا كافيًا من الإصغاء، حتى صارت هذه المطاردة الصوتية فسحة أكتوبر الأثيرة، ومتعته التي لم أكن أخطط لها، داويت روحي بهذه التلاوات الحلوة، ووجدت في صحبة تلك الأصوات شيئًا من السكينة التي افتقدتها خلال الشهر.
كثيرًا ما يفيدني في مثل هذه المنحدرات أن أتمسك ببعض العادات والإنجازات الصغيرة، التي ترفع أيامي عن مستوى الصفر على الأقل، فأحاول ألا أترك اليوم ينسحب كاملًا من بين يدي، وأن أوقف الخسارة ولو بقي من اليوم نصف ساعة. لا تبدو هذه الأمور عظيمة في ذاتها، لكنها تمنحني شعورًا بأنني ما زلت ممسكًا بطرف الخيط، وأن الأيام لم تتحول كلها إلى كتلة واحدة من التأجيل والفتور، مثل كتابة هذه التدوينة ونشرها، ثم أقول لنفسي، قبل أن أنفض عنها وسوسات النفس، وحلطمات الروح، وهمهمات إبليس، على طريقة بينكي حين يسأل برين: ماذا سنفعل في الغد يا برين؟ فيجيبه برين: الشيء نفسه الذي نفعله كل ليلة يا بينكي، سنحاول السيطرة على العالم!
اكتشاف المزيد من دفاتر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
