جردة يوليو

آثرت ألا يمضي الصيف على ابنتي من غير فائدة تعود عليها، فسجلتها في برنامج لتعليم مهارات السباحة في مسبح مدرسة أهلية قريبة من منزلنا.

لم أرفع سقف توقعاتي كثيرًا؛ كان يكفيني أن تقضي بضع ساعات كل أسبوع تستمتع فيها مع أترابها، وألا يتكوّن لديها حاجز نفسي يصدّها عن السباحة.

لكن ما فاجأني أنها إلى جانب استمتاعها، أتقنت عددًا من مهارات السباحة، وأصبحت تسبح بأساليب لا أحسنها أنا نفسي؛ فأنا لا أعرف من أنماط السباحة إلا “سباحة الدراجة”، تلك التي يتعلمها كثير من الصبيان طلبًا للنجاة من الغرق!

ويعود الفضل، بعد الله سبحانه وتعالى، إلى المدربات المتقنات صاحبات الأسلوب المحبب للأطفال، وإلى شيوع ثقافة رياضية تجعل الطفل يجد من هم في مثل سنه يشاركونه التدريب، وإلى توافر أماكن جميلة ومهيأة لمثل هذه البرامج.

وحين علم والدي بتسجيلي ابنتي، ذكرني بأول محاولة لتعليم السباحة في طفولتي؛ حين اصطحبني مع ابن عمي ريان، الذي عقد قرانه البارحة، إلى مكان أتردد في تسميته ناديًا، وإلى رجل أشك أنه كان يرضى أن يصف نفسه بالمدرب.

كانت الأندية الرياضية آنذاك تجمع كثيرًا من الشخصيات المريبة، أما المدربون فكانوا نمطًا صعبًا ومخيفًا من البشر، لا يتورعون عن صناعة عقد نفسية جديدة في نفوس المتدربين.

وتستحق تلك المرحلة من تاريخ الرياضة عندنا أن تُوثق، ننسى أحيانًا كيف كانت الفرص نادرة، وكيف كانت الأندية صغيرة، بأجهزة عتيقة يكسوها الصدأ، ورديئة التهوية، تغمرها رائحة العرق، وضجيج المتدربين، وصياحهم الذي يملأ المكان.

أما الأندية النسائية، فكانت نادرة للغاية، وباهظة الثمن، وغالبًا تخلو من أجهزة الحديد. كانت والدتي تتدرب في قبو مستوصف خُصص أصلًا لقسم الأشعة والعلاج الطبيعي، ثم قرر صاحبه تأجيره مساءً لإحدى المدربات، التي كانت تقدم تمارين سويدية يمكن أداء معظمها في صالة البيت.

ولئلا أنسى، ولئلا ينسى من يكتب عن تلك المرحلة، فقد كان لصالح العريض وزيد الغيث شريط فيديو بعنوان “الرياضة في بيتك”، أو قريبًا من هذا الاسم، وهو غير برنامجه التلفيزيوني “الرياضة للجميع”، يضم عشرات التمارين المنزلية، وكان شريطًا شائعًا في زمانه.

أما درس السباحة الذي اصطحبني إليه والدي، فما زالت بعض مشاهده عالقة في ذاكرتي، كنت أنا وريان في السادسة من العمر تقريبًا، وكان المسبح مظلمًا، لا يضيئه إلا عدد قليل من الكشافات الحادة، وكانت أصوات النوافير ترتد بين الجدران فتملأ المكان بضجيج مرهق، أما المدرب، فكان رجلًا ضخم الجثة، عابس الوجه، قليل الكلام، حمل ريان وألقاه في الماء دفعة واحدة، فكادت روحي تخرج من جسدي، ولا أذكر على وجه اليقين هل نزلت إلى الماء قليلًا ثم خرجت هاربًا، أم أنني آثرت الفرار منذ اللحظة الأولى!

وكان يمكن لتلك التجربة أن تزرع داخلي عقدة دائمة من السباحة، لولا أن الله أنقذني في الصيف نفسه بخالي فواز، إذ استأجرنا حينها استراحة بها مسبح، فاختار أن يقضي وقتًا طويلًا في تعليم أخي سلمان وإياي سباحة الدراجة، بدلًا من أن يمضي وقته مع بقية أخوالي وأبنائهم الكبار، وما زلت أسبح بها إلى اليوم، ولا أنسى له هذا الجميل، جزاه الله عني خير الجزاء.

قرأت

أنهيت هذا الشهر رحلتي مع ملاحم اليونان، ففرغت من قراءة “الأوديسة” لهوميروس بترجمة دريني خشبة، بعد أن بدأت بكتابه “أساطير الحب والجمال عند اليونان” بجزأيه، ثم قرأت “قصة طروادة”، التي أعادت دار التنوير نشرها بعنوان “الإلياذة”.

وصادف هذا الاهتمام الإعلان عن فيلم كريستوفر نولان الجديد المقتبس من “الأوديسة”، فأثار موجة من المقالات والحوارات حول الملاحم اليونانية وترجماتها. ومن ذلك العدد الذي كتبته إيمان العزيزي في “نشرة إلخ”، حيث تناولت ترجمة دريني خشبة بالنقد، ورأت أن استعانته بلغة مستمدة من القرآن الكريم والتراث العربي أضعفت خصوصية العالم الميثولوجي الذي تنتمي إليه الملحمة.

أما أنا فأميل إلى رأي مختلف، فقد قارنت مقارنة أولية بين ترجمة دريني خشبة وترجمة أمين سلامة التي تفضلها إيمان في مقطع واحد، فوجدتهما متقاربتين في الدقة، مع امتياز واضح للغة دريني الأدبية الآسرة، بينما بدت ترجمة أمين أكثر ركاكة في هذا الموضع. وبالطبع لا تكفي مقارنة محدودة لبناء حكم نهائي، لكنها تكفي على الأقل لإثارة الشك في الأحكام المتداولة على ترجمة دريني.

وأظن أن كثيرًا مما يُوصف بأنه “لغة قرآنية” في ترجمته لا يتجاوز مواضع قليلة جدًا، بينما اعتدنا نحن على لغة الترجمات الحديثة حتى أصبحت هي معيارنا الخفي في الحكم على كل ترجمة، ولعل ما يتعلق بعمل خشبة على هذه الملاحم يستحق أن أفرد له مقالة مستقلة.

شاهدت

نشر كال نيوبورت حلقة جديدة من برنامجه “أسئلة عميقة” تحدث فيها عن دفاتره.

أتذكر أنه أشار إليها في كتابه “فلسفة التجرد الرقمي”، لكنني كنت قد نسيت ذلك، فسعدت وأنا أراه يعرض دفاتره الكثيرة التي يعتمد عليها في إدارة جوانب حياته المختلفة. ولعل هذا ما جعلني أشعر بشيء من الطمأنينة تجاه ولعي بالدفاتر؛ فقد بلغ عدد دفاتري الآن أربعة، وأظن أن دفترًا خامسًا سينضم إليها قريبًا.

وأحد هذه الدفاتر خصصته لتوثيق تدريباتي في النادي، أدوّن فيه التمارين التي أنجزتها، والأوزان التي وصلت إليها، وأي ملاحظة أرى أنها تستحق التسجيل، وأظن أنني أصبحت معروفًا هناك بدفتري الأسود الصغير؛ فكثيرًا ما يراني الناس أنحني عليه بعد كل تمرين.

وقبل أيام، سألني رجل مصري كنا نتشارك أحد الأجهزة: ماذا تكتب في هذا الدفتر؟ فأخبرته. فقال: تريد نصيحتي؟ قلت: يا ليت! فقال: في تطبيق تقدر تكتب فيه كل شيء. قلت: أعرف، لكني أحب الكتابة على الدفتر فضحك وقال: أحب الناس الرايقة! ثم عاد إلى تمرينه.

من أثير المدونات

كتب صديقي سليم تدوينة ينتقد فيها تطبيق نديم عند إطلاقه الأول، وبعد التحديث الأخير عاد فكتب مراجعة جديدة أثنى فيها على كثير مما تغير، واقترح عددًا من التحسينات الإضافية.

وأجمل ما في التدوينة أنها كُتبت بلغة حلوة ومرحة، حتى ينسى القارئ أنه يطالع مراجعة تقنية لتطبيق جوال، وتظن أنك أمام قطعة أدبية خفيفة.


اكتشاف المزيد من دفاتر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

6 آراء على “جردة يوليو

  1. ربي يحفظك للسنفورة ويقرّ عينك فيها🐣🩷 خيراَ فعلت والله، فرغم أنك لم ترفع سقف التوقعات تجاه نادي السباحة، إلا أنك فعلت معروفاً ضمنياً، فقد جعلتها تعيش يومها هي، لا يوم غيرها بانسجام عفوي، وتبني ثقتها من جهة أخرى، لاشك ذاك خيراً من الشاشات التي تُنسينا أن نعيش.

    أما ممن جهة الأوديسية فلا بد لي أن أقرأها، ها أنت تأتي على ذكرها، واليوم أول الصباح شاهدت بودكاست أثر لأيمن زيدان رغبة بالاستمتاع بلغته وتعاطيه الفلسفي مع الحياة، فجاء على ذكر “كعب أخيل” في معرض حديثه عن نقطة الضعف، وقبل عدة أيام شاهدت مراجعة على اليوتيوب للفيلم لراكان الشايع برفقه صديقه سلطان الموسى، أرجوك أخي حسان هل يوجد تلميح أكثر من هذا يدفعني لقراءة الأسطورة، شكراَ لك على هذه الجردة، هذا الطابع يعيدنا للذة الحياة، حينما نتدبر ماجرى.

    Liked by 1 person

    1. الله يحفظلك غاليك، ويقدرنا جميعًا كبارًا وصغارًا على الهرب من الشاشات.

      جوي هذه الإشارات والتوافقات، تعطي الزخم الكافي والمبرر لفعل الأشياء الجيدة ✅

      إعجاب

  2. اشتقنا لدردشتكم السبتية عن الكتب .. هل هناك خطة للاستئناف؟ إن كان نعم فآقترح لو تحدثنا قليلا عن تجربتك مع تطبيق أبجد والقراءة من خلاله.

    Liked by 1 person

    1. إن شاء الله تكون هناك عودة، وفعلا في كلام كثير ممكن أقوله حول أبجد، سواء في تدوينات أو السبتية، لكن لا شك إنه من أفضل الأشياء اللي سويتها خلال آخر ثلاث سنوات ممكن، وهي الفترة اللي انا مستمر في الاشتراك معهم فيها.

      إعجاب

أضف تعليق